تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

د «ف2، م ت»

الحرف المعني هو «ت»، الذي يوضح أن الحكم بالتعزيز على أساس المناقشة في الوقت الراهن «ت» فقط، ولعل وارنوك لا يعلم أننا لا نصادف إطلاقا في كتابات بوبر كلمة «المستقبل»، وبدلا منها يستعمل «مؤقت»، الحكم بتعزيز النظرية حكم مؤقت، يجعلنا نأخذ بها في الوقت الراهن بناء على علمنا اليوم، أما بخصوص المستقبل، فلا يعنينا منه إلا تأكدنا من أنه يحوي لحظة ستثبت خطأ النظرية، وحينما تأتي هذه اللحظة، سنتركها ونأخذ بالأفضل ونحن نتأكد من هذا على أساس الطابع الفرضي لعبارات العلم، وقابلية التكذيب القائمة فيها، والتي ستصبح تكذيبا يوما ما، إننا لم نفترض أبدا اطراد نتائج اختبارات النظرية في صالح تعزيزها، بل نفترض العكس تماما، أن وسائل العلم ستتطور في المستقبل فنتوصل إلى اختبار أكثر حسما، قد يتمكن من تكذيب النظرية.

فأين هو شذى الاستقراء الذي يفوح من التعزيز، وبالتالي من معيار التكذيب كما يتوهم جيوفري وارنوك وهيلاري باتنام؟ (4) مواجهة التحصين ضد التكذيب (1) غير أن حل مشكلة التمييز، أي معيار القابلية للتكذيب، رغم كل هذا يبدو - إلى حد ما - صوريا وليس واقعيا؛ إذ يمكن دائما تجنب التفنيدات التجريبية والتملص من التكذيب بأن نضيف للنظرية فروضا جديدة تتلافى مواطن الكذب، أو بأن ننكر التجارب المفندة، أو حتى بأن نشكك في نزاهة المجرب، كل هذا ممكن، وإذا استمر، توصلنا إلى نظريات محصنة

immunized

74 ⋆

ضد التكذيب؛ أي ببساطة غير قابلة له، وإذن ويمكن أن نفعل هذا حتى مع أشد النظريات علمية، مع نظرية نيوتن أو آينشتين مثلا وبهذا لا تصبح القابلية للتكذيب معيارا يحدد السمة العلمية. (2) هذه الصعوبة الواضحة أمام القابلية للتكذيب، لم يناقشها بوبر في بداية الأمر كإمكانية مواجهة عامة للمعيار، تبدو كحجة خطيرة في يد كل من لا يريد الأخذ به، بل طرحها في منطق الكشف العلمي بوصفها مواجهة مع الاصطلاحية أو الأداتية

Conventionalism, Instrumentalism

بالذات، ثم جاء بعد ذلك في كتاباته اللاحقة ليعمها ويناقشها بصفة عامة أمام كل المعارضين أيا كانت مذاهبهم.

وبوبر يبرر هذا بأسباب تاريخية لعلها وطأة المذهب الاصطلاحي والأداتي في الجو الفلسفي إبان ظهور «منطق الكشف العلمي»، في أوائل الثلاثينات من هذا القرن، خصوصا وأن الطابع العام لهذا الكتاب هو أنه يعنى كثيرا بمواجهة الاصطلاحية في كل موضع، بعد الوضعية المنطقية بالطبع.

ومن الناحية الأخرى نجد هذه الصعوبة في وجه المعيار تمثل لأزمة منطقية ضرورية عن مذهب الاصطلاحية، وتبعا لهذا لا يمكن لهم قبول المعيار أصلا؛ لذلك عني بوبر عناية خاصة بمناقشتهم والرد عليهم. (3) والاتجاه الأدائي أو الاصطلاحي في فلسفة العلم بأقطابه العظام، ابتداء من باركلي حتى إرنست ماخ وبيير دوهيم وهنري بوانكاريه، هو اتجاه يرى في النظرية العلمية محض أداة نافعة وإجراء مفيد ليس أكثر، فحتى الجمل الكيفية التي لها فعلا معنى، بل ومعنى وصفي هي في الواقع مجرد وصف له دور وقوة الأداة، فليس هناك مشكلة حول ما إذا كان القانون العلمي وصفيا أم تفسيريا، فالقانون العلمي مهما كان مجرد أداة

75

هو «أسلوب للبحث العلمي ودالات قضايا توصف بالصلاحية وعدم الصلاحية، لكنها لا توصف البتة بأنها صادقة أو كاذبة.»

76

لذلك نجد فكرة الصدق والكذب الأساسية في فلسفة بوبر؛ وبالتالي التكذيب والقابلية له، ليست لها أي دور في هذا المذهب فهو ينتهي إلى أن النظريات العلمية، أو النظريات التي تسمى بالعلوم البحتة، لا تعدو أن تكون مجرد قواعد حسابية

Computation Rules

أو قواعد استدلالية، لها نفس خصائص القواعد الحسابية التي للعلوم التطبيقية.

77

بالطبع بوبر الذي يرى في القوانين العلمية فروضا لها محتوى معرفي يحاول دائما الاقتراب أكثر من الصدق، لا بد وأن يرفض تماما هذه النظرية، وقد سبق أن رأيناه آنفا يرفض النظرية الماهوية

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٥٤