R. Bacon (1214-1294م) - جد فرنسيس بيكون - الذي لقب بأمير الفكر في العصور الوسطى؛ لأنه مارس التجريب ووصل به إلى نتائج علمية باهرة، لا سيما في طب العيون والفلك والكيمياء، بل ووضع تنبؤات علمية حدثت بالفعل في ميادين الفلك والميكانيكا والجغرافيا، وكان هذا مدعاة للنقمة عليه، ومثارا لمتاعب كبيرة في حياته بوصفه راهبا فرنسيسكانيا، فكيف يدعو إلى التجريب العلمي بل ويمارسه. (4) (أ) أما فكرة الاستقراء بوصفه منهجا محدد المعالم، ينبغي على العالم أن يقتفي خطاه في بحوثه، فتعود في ميلادها بصورة كاملة مهيئة للنمو والنضوج إلى فرنسيس بيكون
Francis Bacon (1561-1626م)، الذي يعد بحق ذا الأهمية العظمى كمؤسس للمنهج الاستقرائي الحديث والرائد في محاولة التنسيق المنطقي لمسار الإجراءات العلمية.»
17
هذا بصرف النظر عن أن فلسفته بصورة عامة لم تكن مرضية إلى حد كبير، ولكن كفاه فخرا ذلك الكتاب الذي وضعه وأسماه «الأورجانون الجديد»
Novum Drganum
نشر عام 1620م أي الآلة الجديدة، منوها بذلك إلى أن منطق أرسطو قد أصبح آلة بالية قديمة عفا عليها الدهر، وها هو ذا يقدم لنا الآلة الجديدة الفعالة المناسبة لاحتياجات العصر، وما هذه الآلة سوى المنهج الاستقرائي. (ب) منهج بيكون
يبدأ بيكون وضعه لهذا المنهج، بأن ينبه الباحثين إلى أن العقل «أداة تصنيف وتجريد مماثلة.»
18
وإنه ليقع في أخطاء عظمى، لا سيما إذا سار معتمدا على نفسه بغير ما تعويل على التجربة، وهذه الأخطاء قد تتحكم فيه تحكما رهيبا، وتحجبه عن جادة الصواب فتكون بمثابة أصنام يعبدها أو أوهام يتشبث بها.
وبعد أن ينبهنا إلى الأخطاء - كيما نتجنبها - يوضح المنهج الذي ينبغي اتباعه في البحث عن المعرفة، وعلى هذا يقسم عادة منهج بيكون إلى قسمين؛ قسم سلبي وقسم إيجابي.
القسم السلبي
وهو المختص بالتنويه إلى الأخطاء ولكن يوضحها بيكون يقوم بتقسيمها إلى أربعة أنماط على النحو التالي: (1)
أوهام الجنس أو القبيلة
Idols of Tribe : وهي التي يقع فيها الجنس البشري عامة، أو القبيلة بأسرها؛ أي إنها أخطاء مفطورة في الإنسان بصفة عامة وليست خاصة بفئة معينة، ومن أمثلتها: (أ)
التعميمات السريعة وسرعة التوصل إلى الأحكام العامة، دون أن نتأكد من الأساس الذي أقمنا عليه هذه التعميمات،
19
وهذا من شأنه أن يقودنا إلى تعميمات خاطئة، إذن لا ينبغي أن نتسرع في عملية التعميم. (ب)
سيطرة فكرة معينة على الذهن سيطرة تجافي النزاهة، فنختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض البصر عما ينفيها، وهذا من شأنه أن يثبت الأفكار الخاطئة، ينبغي إذن توخي النزاهة. (ج)
افتراض الانتظام والاطراد في الطبيعة أكثر مما هو متحقق فيها حتى إذا صادفنا مثال شارد حاولنا إدخاله بأية طريقة في أي قانون إدخالا قد يكون خاطئا، لا ينبغي إذن أن نفترض أكثر مما هو متحقق. (د)
ما يميل إليه عقل الإنسان من تجريد، وإضفاء معنى الجوهر والحقيقة الواقعية على الأشياء الزائلة، وهذا يقود إلى عدم التمييز بين طبائع الأشياء ومظاهرها. (2)
أوهام الكهف
Idols of the Cave : المقصود بالكهف ... البيئة التي نشأ فيها الفرد، فيكون لعوامل مكوناتها وثقافتها تأثير كبير عليه يجعله يقصر جهوده المعرفية على إثبات الأفكار التي تلقاها في كهفه أو بيئته فيحول هذا بينه وبين اقتفاء جادة الصواب، هذه إذن نوعية من الأوهام خاصة بالفرد المعين الذي نشأ في بيئة معينة، بخلاف أوهام الجنس العامة. (3)
أوهام المسرح
Idols of the Theatre : كتلك التي يقع فيها المتفرجون على مسرح، حين يأسرهم الإعجاب بالممثلين، يأسر الإنسان الإعجاب بممثلي الفكر السابقين، إعجابا ينزل أفكارهم منزلة التقديس نوع من الدوجماطيقية المرضية والتعصب الذي يعمي الإنسان ويصرفه عن اكتشاف الجديد من الواقع، ولما جناه الفكر الأرسطي من سيطرة على البشرية طوال العصور الوسطى، سيطرة جعلتها عصورا مظلمة، خير مثال على هذا النوع من الأوهام، أوهام المسرح. (4)