تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بلغ هذا الضيق أوج مداه في نهايات عصور النهضة، وبدايات العصر الحديث؛ إذ تطور العلم تطورا ملحوظا وتوصل العلماء إلى قوانين فسرت الطبيعة تفسيرا عقليا واقعيا مكنهم من فهمها وبالتالي من السيطرة عليها، واكتشفوا أشياء رائعة كالقارات والكواكب والأجهزة العلمية والفلكية والطباعة، ومن ثم أصبح هم الفلاسفة الأول هو البحث عن منهج جديد يلائم الروح الجديدة للعصر، فكان القرن السابع عشر بحق هو قرن المناهج «منهج ديكارت - مالبرانش: البحث عن الحقيقة - فلاسفة بور رويال: فن التفكير، اسبينوزا: رسالة في إصلاح العقل - ليبنتز: يحلل ويبحث في فكرة منهج رياضي»، ولكن الجدير بالاعتبار من بين كل هؤلاء هو فرنسيس بيكون الذي يتصدر قائمة طويلة من الفلاسفة ذوي العقول العلمية، أولئك الذين أكدوا أهمية الاستقراء كنقيض للاستنباط»

14

وما يدخل في حوزة هذا الاستنباط من قياس أرسطي، وعلى مدى عصور العلم الحديث حتى بداية القرن العشرين، تلا بيكون العديد من المعنيين بالمنهج العلمي؛ لينكبوا على تأكيد الاستقراء، وتخليصه من الشوائب التي شابت محاولة بيكون وبلورته، نذكر منهم: كلود برنار

Clauide Bernard (1813-1818م) ووليم ويول

Wè Whewell (1794-1866م)، وجون ستيورات مل الذي يعد بحق أكثر الاستقرائيين استقرائية حتى استقام المنهج الاستقرائي في صورة خطوات محددة، على العالم اقتفاؤها، فيصل في النهاية إلى القانون ويضيف لحصيلة العلم. (2) لكن والحق يقال - رغبة الباحثين في العود إلى الطبيعة، واستخلاص المعرفة بها عن طريق جزئياتها الحسية، قديم قدم الفكر البشري، فقد عرفت البشرية روادا عدة مهدوا لهذا المنهج الاستقرائي، منهم أرسطو نفسه الذي فطن إلى أهمية الحواس بوصفها أبواب المعرفة، بل إن إيمانه بالاستقراء يبلغ درجة إيمانه بالقياس، فكما أن القياس هو الوسيلة اليقينية لربط الحد الأصغر بالحد الأكبر عن طريق الحد الأوسط، فإن الاستقراء هو الوسيلة اليقينية، بل والوحيدة لتكوين المقدمات الكبرى، أي لا مقدمات بغير استقراء ولا قياس بغير مقدمات، إذن لا قياس بغير استقراء، هكذا كان أرسطو استقرائيا كبيرا، وأكثر من ذلك فهو صاحب مصطلح الاستقراء نفسه «إيباجوجي

Epagogya

15 ⋆

وإن استخدمه بأكثر من معنى: (أ)

الاستقراء التام

Complete Induction : وهو عملية إحصاء تام

Complete enumeration

ليجمع الأمثلة الجزئية التي تنطوي تحت الحكم الكلي، وهذا ما يسميه بعض المناطقة بالاستقراء التلخيصي

Summary Induction ،

16

ومن الواضح أنه مجرد عملية عد ساذجة. (ب)

الاستقراء الحدسي

Intuitive Induction : وهو الانتقال الحدسي من مثالي جزئي واحد أو عدد بسيط من الأمثلة إلى حكم كلي عام، وواضح أن هذا هو القريب من المعنى المعاصر للاستقراء العلمي. (ج)

الاستقراء الجدلي: وهو لا يبدأ من عدد كلي أو عدد بسيط من الأمثلة، لكنه يبدأ من مقدمات مشهورة أو ظنية أو شائعة؛ لهذا فهو قياس نتائجه ليست يقينية بل موضعا للشك والاحتمال والجدل.

وواضح أن النوعين الأولين يحملان الفحوى الحديثة للاستقراء، أي الوصول إلى الحكم الكلي أو القانون العام عن طريق الاستقراء الحسي لجزئياته، ويلقب هذا الاستقراء الأرسطي عادة بالاستقراء القديم.

غير أن الظروف الفكرية الإغريقية لم تكن تسمح لأرسطو أن يمارس هذا الاستقراء جديا، أو أن يتوقف لينتظر نتائج التجربة، فعاقه هذا كثيرا كثيرا عن أن يكون مؤسسا للمنهج، أو حتى داعية له، وعاق أكثر البشرية بأسرها معه. (3) وبخلاف أرسطو فإنا نلقى نفرا من مفكري العرب - لا سيما الكيمائي جابر بن حيان (المتوفى عام 813م)، وعالم البصريات الحسن بن الهيثم (المتوفى عام 1039م) - بشروا بهذا المنهج بل ومارسوه.

وهناك أيضا نفر من مفكري العصور الوسطى ذاتها لا سيما روجرز بيكون

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٣