9
الأمر ليس ضربة قاصمة تشطر العبارات نصفين لا ثالث لها علم ولا علم، بل هناك درجات من السمة العلمية؛ أي درجات من القابلية لتطبيق المعيار الذي ينبغي أن يقترح لتمييز العلم.
10 ⋆
قصور معاييرهم عن مواجهة فكرة التدرج يبرز واضحا بالإشارة إلى أن معاييرهم، لا تميز فقط العلم عن اللاعلم، بل وأيضا المعنى عن اللامعنى، فتكون هذه المعايير لا تحل المشكلة، بل فقد تبدلها بمشكلة أخرى، هي مشكلة البحث عن معيار يفصل بين العبارات أو النظريات ذات المعنى الخصيب، وتلك ذات المعنى الفقير،
11
أي التدرج في المعنى.
ومن ناحية أخرى، فإن النظريات الميتافيزيقية - كما وضح آنفا - رائدة للأفكار العلمية؛ لذا فإن المعايير الوضعية ستثير مشاكل ومتاعب لا جدوى منها،
12
أو هي مضرة ستصيب العلم بإجداب، إذ ستطيح بكل ما ليس علما، فتضيع فرص إلهام كثيرة.
ثم إن تطور العلم عن الأساطير والميتافيزيقا، يحتم وجود حدود مشتركة بينهما، أو على الأقل باهتة، أي ستظل على الدوام بعض من الأفكار المشتركة بين العلم والميتافيزيقا، وهذا يوضح من ناحية أخرى أن الخرافات من شأنها أن تطور بعضا من عناصرها القابلة للاختبار، حتى تصل إلى الدرجة العلمية.
الخلاصة أن الخط بين العلم واللاعلم متموج وليس مستقيما، والفصل الحاسم القاصم مستحيل. (6) تلك هي الخطوط العريضة للنقد الذي ينطبق على المحاولات ككل، حسب استخلاصها من كتابات بوبر: إنها ليست نزيهة، وتصورت إمكانية نقد أو هدم الميتافيزيقا بأسرها بمبدأ واحد، واعتقدوا أن رأيهم ليس رأيا، بل كشفا لصميم الطبائع، ثم طابقوا بين العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، وتصوروا إمكانية الفصل الحاسم بينهما.
كل هذه الأخطاء وغيرها، تأدت بجميع معايير الوضعيين إلى أن تكون مكنسة تكنس الكثير جدا: النظريات الفيزيائية الكلية، وتكنس القليل جدا، تترك معظم عبارات الميتافيزيقا وكل عبارات العلوم الزائفة؛ أي ببساطة نظل في فوضى معرفية، ومعايير للتمييز لا مبرر لإقامتها.
لكن المحاولات بدت في الفصل السابق عديدة ومتميزة، فلا بد من لقاء بين بوبر وبين كل محاولة على حدة، وليكن الجزء التالي للقاء بوبر أو نقده للتحقق، أهم المعايير وأبرزها وأكثرها شيوعا وشهرة، إنه الأصل والعلم، أو على الأقل المعيار الوضعي الرائد. (2) نقد معيار التحقق (1) أول ما يقوله بوبر في نقد التحقق، هو أنه مرفوض تماما، على أساس وطيد من رفضه، أو دحضه للاستقراء؛
13
ذلك أن التحقق ليس إلا صورة أبسط، أو ظلا للمنطق الاستقرائي، فكما نجمع الملاحظات التجريبية لتفضي إلى القانون العلمي، نجمع المدركات الحسية لتفضي إلى العبارة العلمية، ليس هناك فارق حقيقي بين الاستقراء والتحقق، وقد سبق أن ذكرنا أن بيتر مونز قد أوضح أن الاستقراء له معنى ضيق يدور حول التكنيك الفني في اشتقاق قانون عام من عدد محدود من الملاحظات، وهو المعنى الذي كنا نتصرف في حدوده في الباب السابق، لكن المشكلة لها أيضا معنى واسع: كيف ترتبط الكلمات التي نستعملها في وصف العالم بالعالم الذي يمر بخبرتنا؟ في إجابة الوضعيين على هذا، نجد الاستقراء بوصفه مبدأ يحكم فلسفة لغوية، قد اتخذ اسم معيار التحقق،
14
ويكشف هذا عن نفسه بوضوح أكثر مع رائدهم فتجنشتين؛
15
إذ يؤكد أن كل قضية لا بد وأن تكون قابلة للرد إلى قضايا ذرية، عرفها بأنها لوح أو أوصاف للوقائع.
يرفض بوبر التحقق، على نفس الأساس الراسخ الذي رفض به الاستقراء
16 ⋆
من الناحية الميثودولوجية، الوضعيون بلا جدال استقرائيون كبار، خصوصا وأن الاستقراء كان لا يزال متربعا على عرشه وقت نشأتهم وازدهارهم، وبالذات شليك وكارناب - في المرحلة الأولى من تطوره الفكري - كانا من حماة الاستقراء على أساس من حمايتها للمنهج التجريبي آنذاك.