86
إن الخطأ في موقفهم من الميتافيزيقا، يتمركز في فكرتهم عن المعنى، والتي تحولت إلى عقيدة قاطعة «دوجما»، و«الدوجما» حين يتم تنصيبها فسوف تسمو على كل المعارك، وتعلو على أي نقاش ويستحيل مهاجمتها،
87
ولقد انتقد بوبر بعنف فكرتهم عن المعنى، واعتبارها معيارا للتمييز فما زال هناك الكثير في الرد على موقفهم من الميتافيزيقا، سيقوله بوبر في نقد محاولاتهم للتمييز. (3) قد تبدو المناقشة السالفة في هذا الجزء من الفصل، مجرد تعبير عن وجهة نظر بوبر المناقضة لوجهة نظر الوضعيين، أما النقد الحاسم لموقفهم من الميتافيزيقا، فهو في هذه الفقرة:
لقد تأثر الوضعيون بعمق، بذلك التعارض البادي بين دقة الرياضة، وبين غموض وعدم دقة الفلسفة، فأرادوا أن يقسموا القضايا بمنتهى الحسم والقطع البات إلى قسمين؛ أحدهما له كل المعنى، والآخر يخلو من المعنى، المجد للأول والقضاء المبرم على الثاني.
غير أن هذه القسمة: أولا مستحيلة، وثانيا: لو أمكنت لكانت خطرا وبيلا على تقدم العلم ذاته:
أولا:
ليس هناك أي مقال في العلم أو الرياضة - لا سيما من الكلاسيكيات - إلا ويمكن، بواسطة الأساليب الفنية للتحليل اللغوي، توضيح أنه يحتوي على قضايا كثيرة زائفة وخالية من المعنى. تهمة الخلو من المعنى
88
فضفاضة يمكن إطلاقها بسهولة، ويستحيل قصرها على الميتافيزيقا الخالصة فقط.
وثانيا:
إن البعض قد يتكلم لغوا، وقد تكون مهمة بعض التعساء كشفه لأنه خطير.
89
لكن البعض قد يتحدث حديثا غير محكم القواعد، وليس بذي معنى كامل بمقاييس الوضعية، وإنما قد يكون مهما ومثيرا، ويستحق الاستماع أكثر من أحاديث أخرى، قد تفوقه في إحكام القواعد والإتيان بالمعنى الكامل، فمثلا حساب التفاضل والتكامل في عهوده الأولى، كان بلا شك لغوا وتناقضات بمعايير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، فهل كان عليهم أن يشهروا أسلحتهم - أي معاييرهم - في وجه رواد هذا الحساب، وهل كان عليهم أن ينجحوا في استبعاد جهودهم،
90
بينما فشل في هذا نقادهم المعاصرون كباركلي، والذي كان على تمام الصواب، بينما مخاصميه رواد التفاضل ينقصهم الكثير جدا، حتى ترضي أحاديثهم الوضعيين.
إذن ما يرضيهم ليس دائما في صالح العلم وتقدمه. (4) ومن هنا نخرج إلى النقد الأكثر حسما، والذي يعد من مآثر بوبر حقا، ومفاده أن الميتافيزيقا يستحيل أن تكون لغوا، فإذا كانت بعض الأفكار الميتافيزيقية القليلة قد عاقت التقدم العلمي، وأبرزها فكرة أفلاطون بتحقير المادة، وكل ما يتصل بالحس كأداة معرفة، أو أداة أي شيء آخر، فإن هناك أفكارا ميتافيزيقية أخرى ساعدت على تقدم العلم بل وكانت ضرورية له، رأينا بوبر في حديثه عن المعرفية الموضوعية بجعلها «م1
ح ح
أ أ
م2» ويوثق أواصر القربى بين شتى الجهود العرفية، ويراها سلسلة واحدة متصلة الحلقات، فلا بد وأن تكون بعض من نظريات الميتافيزيقا قد اتخذت دورا وحلقة أفضت إلى الحصيلة المعرفية التي نستمتع بها اليوم «فكثير من نظرياتنا العلمية قد تطورت عن أساطير مرحلة ما قبل العلم، عن نظريات كانت في وقت ما غير قابلة للاختيار (أي لا علمية أو ميتافيزيقية)، فيمكن أن نتتبع تاريخ نظرية نيوتن إلى الوراء حتى أنكسمندر وهيزيود، والنظرية الذرية كانت غير قابلة للاختيار - أي أقرب إلى الميتافيزيقا - حتى سنة 1905م تقريبا.»
91
بل وإن كثيرا من الأفكار الميتافيزيقية قد أوحت بصورة مباشرة بنظريات علمية.
أبرز الأمثلة أول سؤال فلسفي طرح في التاريخ، التساؤل عن مبدأ فيزيائي واحد، عنصر نهائي نشتق منه جميع الأشياء الأخرى، كان شغل المدرسة الأيونية خصوصا، والفلسفة القبل سقراطية عموما، وحينما تقدم العلم - خصوصا في أوائل القرن التاسع عشر - بدا هذا السؤال ساذجا أبله حتى قطع العلم الحديث بصوابه، وأن الوصول إلى هذا المبدأ - أي الذرة - كان مفتاح التفجر الهائل لنجاح العلوم الطبيعية.