25
وقدر للنظرية الموجية في تفسير طبيعة الضوء أن تنتصر وتسود، وهي تشبه الضوء بموجات متصلة تنتشر على سطح الماء، بحيث يكون المصدر الضوئي مركز الاهتزاز الذي تتولد عنه الموجات فتنتشر بعد ذلك من حوله في كل اتجاه. لقيت النظرية الموجية مساندة قوية في «كتاب الضوء» الذي صدر العام 1690م للفيزيائي الهولندي الكبير كريستيان هويجنز
C. Huygens
وهو معاصر لنيوتن ومن أقرب أصدقاء ديكارت. لكن تجارب العالم الفرنسي أوجست فرزنل
A. Fresnel (1788-1827م) التي أجراها فيما بين العامين 1815م و1820م بدت كأنها إثبات للتصور الموجي للضوء، وأنه هو وحده الذي يستطيع تفسير ظواهر التداخل والحيود التي عجزت النظرية الجسيمية عن تفسيرها، ويشارك فرزنل في هذا زميله فرانسوا أراجو، وإن كان يعمل بتصورات مختلفة لطبيعة الضوء وكيفية دراسته، وانفصمت عرى الزمالة بين فرزنل وأوراجو العام 1821م،
26
لكن توطد التفسير الموجي للضوء.
وإذا كان الضوء موجات تنتشر في الفضاء فيجب أن نتخيل له حاملا هو وسط يهتز أو يتموج. وكما أن الاهتزازات الميكانيكية والصوتية هي اهتزاز للأوساط الجامدة أو السائلة والغازية التي تنتشر فيها، كذلك الضوء لا بد أن يكون اهتزازا لوسط ما يؤدي وظيفة الحامل للموجات، أو هو فاعل الفعل يتموج. افترض العلماء الأثير
Ether
بوصفه هذا الوسط. والأثير فكرة يونانية قديمة، عادت إلى الظهور في العلم الحديث منذ أن رأى فيها ديكارت مادة أولية مسئولة عن الثقل وعن صفات أخرى ليست مستمدة من خاصية الامتداد في حد ذاتها، واستفاد منها كبلر ليفسر كيف تحتفظ الشمس بالكواكب السيارة في حركة، ثم لعب الأثير دورا جوهريا في الفيزياء الكلاسيكية لكي يكتمل التفسير الموجي للضوء والإشعاع، ويكتمل التفسير الميكانيكي للكون بأسره، فافترضوا أن الأثير يملأ كل الفراغ أو الفضاء في الآلة الكونية العظمى، وأن كثافته أقل من الهواء، وأنه لا نهائي المرونة، وحاول العلماء محاولات مستفيضة لتحديد خواص مرونته كوسيلة للاهتداء إلى قوانين انتشار الضوء، وقدموا خواص متعارضة تماما، كأن نتصور مثلا أنه صلب على الرغم من أن حواسنا لا تدركه، وأن النجوم تمرق فيه دون أن تعاني احتكاكا أو مقاومة، وقد بذل أوجست فرزنل جهودا مكثفة لتوطيد شأن الأثير. وعندما أصبح مألوفا العام 1860م - اتباعا لماكسويل - أن ننظر إلى الضوء كما لو كان ذا طبيعة كهرومغناطيسية، سلم العلماء تسليما بالأثير بوصفه حامل الإشعاعات الكهرومغناطيسية أو الوسط الذي يحدث فيه انتشار الإشعاعات، وكما يقول جيمس جينز لم يتحرج العلماء من الزعم بوجود نسق من قوى الجذب والدفع والالتواء يمكن تدبيرها في الأثير كي تنتقل كل ظواهر الطبيعة خلال الفضاء، ظواهر الضوء والإشعاع وظواهر البصريات، بل وأيضا ظواهر الجاذبية «التثاقل»، هكذا يستوعب التفسير الحتمي الميكانيكي كل الظواهر، ويبدو عالم الفيزياء الكلاسيكية - تلك الآلة الكونية العظمى - كأنه قائم على أكتاف الأثير.
ولأن الكون ليس آلة ميكانيكية بحال، لم يكن غريبا أن تضاف إلى أزمة الفيزياء الكلاسيكية كارثة أخرى حلت بالأثير من جراء تجربة قام بها - ابتداء من العام 1886م - ألبرت ميكلسون
A. Michelson ، وهو من أصل ألماني وأول عالم أمريكي يحصل على جائزة نوبل (العام 1907م)، ورفيقه إدوارد مورلي
E. Morley . وتعد تجربة ميكلسون/مورلي من أخطر التجارب في حركية العلم ومن نقاط تحوله العظمى. فما فكرة هذه التجربة، أو الفرض الذي قامت لاختباره؟
فكرتها ببساطة تأتي من أن المركب تسير في اتجاه الريح أسرع مما تسير بعكسه، كما ينشأ على جانبيها تيار من الماء يتجه عكس اتجاه سير المركب - كما هو معروف للجميع - فإذا كانت الأرض تمخر عباب الأثير، سوف ينشأ في الأثير تيار يتجه عكس اتجاه سير الأرض، ستكون سرعة هذا التيار أو هذه الريح الأثيرية المفترضة حوالي 185 ميلا في الثانية وهي سرعة الأرض في مدارها حول الشمس، فهل لهذا من إثبات؟ من هنا جاءت تجربة ميكلسون/مورلي للتحقق من الآتي: هل سرعة الضوء في اتجاه الريح الأثيرية تتأثر إيجابا بال 18,5 ميلا/ثانية، وسرعته ضدها تتأثر عكسيا بهذا المقدار؟ وأحسن طريقة لاكتشاف الفرق بين السرعتين، هي أن نأتي بشعاعين يختلفان في الاتجاه والسرعة ونجعلهما يتقابلان في نقطة لنرى طريقة تقابلهما، هذه هي الفكرة البسيطة لتجربة ميكلسون/مورلي.