تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Niels Bohr (1855-1962م)، حيث توحد أخيرا اتجاها التطور: اتجاه نظرية الذرة واتجاه نظرية الإشعاع؛ إذ رأى بور أن الوصف الكامل للظواهر يتطلب كليهما، بعد أن كانت الفيزياء الكلاسيكية ترى أنهما يستبعدان بعضهما، فالظاهرة إما ذرة وإما إشعاع. رفض بور هذا، ووضع مبدأه المعروف باسم مبدأ التكامل

Complementary

الذي لبى الاحتياج لكلا المفهومين بغير أن يتصادما أو يتعارضا، بل يتحدا ويتآلفا.

كان قد اتضح أن الذرة ذاتها ينبغي أن تعد مجموعة من الجسيمات الأصغر منها، والتي مع هذا تتماسك بقوة تجعل الذرة تسلك بالنسبة لجميع التفاعلات الكيميائية كوحدة ثابتة، فكانت الفيزياء النظرية السابقة على عصر الكوانتم تعلم أن للذرة تركيبا داخليا هو ذلك الذي قام به العالم الروسي مندلييف في أواخر القرن التاسع عشر، ثم ربط العالم الإنجليزي إرنست رذرفورد بين هذه الكشوف الكيميائية وبين كشف الإلكترون، ووضع الأنموذج الكوكبي الشهير للذرة بوصفها مؤلفة من نواة يدور حولها عدد معين من الإلكترونات، كأنها الكواكب تسير في مداراتها. والعلماء بالطبع لا يستطيعون اختراق الذرة، ولكن يكشفون عن بنيتها عن طريق ملاحظة الظواهر الناجمة عن هذه البنية، ومن بين هذه الظواهر أطياف الأشعة الكهرومغناطيسية التي تنبعث من الذرة أو من مكوناتها تحت ظروف اضطراب حراري أو كهربي معينة، وهذه الأشعة تعد بحق مميزة للذرة التي تنبعث عنها، فهي تناظر الأحداث التي تحدث داخلها فيمكن أن تعلمنا الكثير عن بنية الذرة، من هنا كان تصنيف الأطياف ودراستها دراسة منهجية هي مهمة كبرى للفيزيائيين، وقاموا بجهود ضخمة في هذا الصدد ووصلوا إلى نتائج هامة، وهذا منذ أن تمكن هيرشيل في عام 1832م من التمييز بين المواد الكيميائية المختلفة عن طريق معرفة الأطوال الموجبة للضوء المنبعث منها. وفي السنوات التالية لذلك تمكن العالمان الألمانيان روبرت فيلهلم بانسين وجوستاف روبرت كيرتشوف من تصنيف أطياف عدد كبير من الموجات وتسجيلها في كتالوجات خاصة. وفي عام 1868م درس الفلكي الإنجليزي جوزيف لوكير الطيف الشمسي المجهول واكتشف غاز الهيليوم، كما أنه درس بالتفصيل طيف ذرة الهيدروجين،

13

وتوالت الجهود المماثلة. وكما يقول لويس دي بروي، بدت الأفكار الكلاسيكية عاجزة تماما عن تفسير القوانين الطيفية التي نجح الفيزيائيون بعد جهد ومثابرة في استخلاصها.

وكان طوق النجاة في نظرية الكوانتم، ألقى به نيلز بور، وهو دانمركي، لكنه سافر عام 1912م - بعد حصوله على الدكتوراه - إلى إنجلترا وعمل في كمبردج مع ج. طومسون ثم اتجه إلى مانشستر وعمل مساعدا لرذرفورد، وقبل أن يعود إلى كوبنهاجن عام 1916م، وبالتحديد في عام 1913م طرح نظريته التي توضح أن أنموذج الذرة عند رذرفورد ينبغي أن يرتبط بكوانتم الطاقة عند بلانك،

14

فالإلكترونات لا يمكنها إلا أن تدور في مدارات تقع على مسافات محددة معينة من المركز، وهذه المسافات محددة بحيث إن الطاقة الميكانيكية التي يمثلها كل مدار، إما أن تكون كوانتم واحدا أو اثنين أو ثلاثة، وهكذا دواليك، فأدى إدخال بور لفرض الكوانتم إلى نجاح مذهل في إيضاح ما لوحظ من وقائع القياس الطيفي الناتجة من دراسة الأشعة المنبعثة عن الذرة، أو لسلسلة الأطياف الإشعاعية التي تميز كل عنصر على حدة. ومن ناحية أخرى، كان هذا نقطة البداية التي أدت إلى توليد أشعة الليزر، أي التضخيم الضوئي عن طريق الانبعاث التحريضي للإشعاع. وقد تعاظم أمر الليزر في النصف الثاني من القرن العشرين، حتى سمي «شعاع القرن» وبدا حلا ينتظر أية مشكلة.

طرح بور نظريته في الذرة عام 1913م، كما ذكرنا، والسنوات التالية وحتى عام 1925م وبزوغ ثورة الكوانتم الثانية مع هيزنبرج، شهدت تطبيقا وتعميقا لنظرية بور، بحيث تقدم تفسيرا للتركيب الذري لكل عنصر على حدة. وقد أدى إنجاز نيلز بور العظيم في فيزياء الأطياف إلى توحيد بين الذرة والإشعاع، سوف يتعاظم شأنه مع الميكانيكا الموجية، وسنصل إليه عبر انتصار آخر للكوانتم في الظاهرة الكهروضوئية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٩٣