39
وكما سنرى كان كارل بوير أول وأهم من اعتنوا بتوضيح وإثبات أن البدء بالملاحظة الخالصة فقط، ثم تعميمها فنصل إلى قانون أو نظرية علمية وبغير أن يكون في الذهن أي شيء من صميم طبيعة النظرية ... هذه فكرة مستحيلة خلف محال، وقد مثل بوبر لهذا بأقصوصة عن رجل كرس حياته للعلم فأخذ يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه، ثم أوصى أن تورث هذه المجموعة من الملاحظات التي لا تساوي شيئا إلى «الجمعية الملكية للعلوم بإنجلترا»؛ لكي تستعمل كدليل استقرائي! وهي طبعا لن تفيد العلم في شيء ولن تفضي إلى شيء. وإذا افترضنا كومبيوتر يقوم بدور آلة استقرائية فيجمع المعطيات الحسية المتماثلة ليعممها في قانون، فإن عمله هذا مستحيل بدون فرض مسبق، لا بد قبلا من برنامج يحدد للكومبيوتر ما هي أوجه التماثل التي يبحث عنها ومتى يأخذ الوقائع التجريبية أو المعطيات الحسية على أنها متماثلة. وقد حاول بوير أن يؤكد هذا أكثر، فبدأ إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه.» بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، وهنا أوضح لهم كيف أن «لاحظ!» فحسب لا تعني شيئا، العالم لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ما، ومهمة محددة، واهتمام معين، ووجهة من النظر نريد من الملاحظة أن تختبرها. المشكلة هي ما يبدأ به العالم وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل؟ بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق ... أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه؟ إن العالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ على أساسها، فهو يبدأ من الحصيلة المعرفية السابقة لتحدد له موقف المشكلة وتعين على فهمها، فيقدح عبقريته العلمية ليتوصل إلى الفرض الذي يستطيع حلها، ها هنا فقط يلجأ إلى الملاحظة ليختبر فرضه تجريبيا عن طريق النتائج المستنبطة؛
40
تلك هي الصورة العامة لمسار البحث التجريبي، إنه المنهج الفرضي الاستنباطي.
ومن الرائع أن نحسم الأمر بشهادة أعظم عالم فيزياء نظرية الآن، يزهو القرن العشرون حقا به مستقبلا القرن الحادي والعشرين، وهو الوحيد الذي يمكن مضاهاته بآينشتين، إنه ستيفن هوكنج
S. Hawking (1942-؟):
41 «لم أسمع عن أية نظرية كبرى قد طرحت على أساس من التجربة فحسب، فالنظرية هي التي تأتي دائما أولا، ويتم طرحها بسبب الرغبة في الحصول على نموذج رياضي رائع ومتسق. ثم تعطي النظرية تنبؤات، وهذه يمكن اختبارها بالملاحظة، وإذا اتفقت الملاحظات مع التنبؤات فإن هذا لا يبرهن على النظرية، وإنما تظل النظرية باقية لتصنع تنبؤات جديدة، يتم مرة أخرى اختبارها بالملاحظة. وإذا لم تتفق الملاحظات مع التنبؤات، نتخلى عن النظرية.»
42
وحين يعرض الفصل السادس لنظرية كارل بوبر المنهجية سوف نلاحظ أن قول هوكنج هذا بمثابة تلخيص لنظرية بوبر بأسرها، وليس فقط تأكيدا لأسبقية الفرض مع الملاحظة التي بات مسلما بها من قبل الأطراف المعنية. وهذا عالم الفيزياء الرياضية بولكين هورن، الذي ينعم بزمالة النابغة الفذ ستيفن هوكنج في قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية بجامعة كمبردج، يقول إن الملاحظة لا تفضي إلى الفرض أبدا؛ لأن الفرض قراءة للوقائع التجريبية بواسطة فعل فردي خلاق، إبداع لعقلية علمية، ثم يمحص المجتمع العلمي تلك البصيرة الخلاقة جيدا قبل أن يصدق عليها. والواقع أنه لا كوبرنيقوس ولا جاليليو ولا نيوتن، ولا أي رائد من الرواد الذين شيدوا صرح العلم الحديث، ولا أي من العلماء الأقل حجما ولا من العلماء طرا، توصل إلى إنجازاته عن طريق الاستقراء، أي عن طريق البدء بالملاحظة ثم تعميمها لكي يصل إلى القانون العلمي، بل جميعهم يبدأ بفرض يستنبط نتائجه ثم يقوم باختبارها تجريبيا، ولكن بفعل العوامل الداخلية والخارجية لحركة العلم الحديث ران الوهم الاستقرائي على العقول، من حيث ران الوهم الحتمي الميكانيكي.