فكانت كل خطوة ناجحة يحرزها العلم الكلاسيكي في إطار مشروعه الحتمي الميكانيكي، تؤكد الاستقراء، ويتأكد بها. ومنذ الوهلة الأولى بدا للعيان أن هذا النجاح المنقطع النظير الذي أحرزه العلم، دونا عن كل المحاولات المعرفية التي بذلها الإنسان من قبل، لا بد وأنه يدور وجودا وعدما مع العنصر المستحدث في هذا النسق المعرفي الجديد - العلم. العنصر المستحدث هو التجربة: الاعتماد النظامي على معطيات الحواس فبدأ العلم تجريبيا متطرفا - لردة الفعل العكسية للاستنباط الأرسطي - ثم جعله نجاحه يتطرف أكثر وأكثر في تجريبية. إن الاستقراء، الذي يبدأ بالملاحظة التجريبية ليتقهقر دور العقل والإبداع الإنساني - إن لم يلغ - هو طبعا تجريبية متطرفة، إمبيريقية صاغتها النزعة الاستقرائية وإمامها جون ستيوارت مل.
هكذا كان العلم الحديث منتشيا بتجريبيته المتطرفة، وتحرص النزعة الاستقرائية على تأكيدها والتطرف بها أكثر. ولكن في قلب تلك الأجواء، وقبل جون ستيوارت بقرن من الزمان، نهض ديفيد هيوم ليلفت الأنظار إلى أن التعميم الاستقرائي ينطوي على مغالطة هي قفزة غير مبررة، فكانت مشكلة الاستقراء، يأس الفلسفة وفضيحتها؛ إذ بدا أنها وصلت بالميثودولوجيا - أي فلسفة أو نظرية المنهج العلمي - إلى طريق مسدود. والواقع أنها كانت إيذانا بالطريق المسدود الذي ستصل إليه الفيزياء الكلاسيكية ذاتها وضرورة الانقلاب على إبستمولوجيتها، كما فعلت نظرية الكوانتم ونظرية النسبية لآينشتين في القرن العشرين.
لذلك أكدنا أن مشكلة الاستقراء التي أثيرت قبل أزمة الفيزياء الكلاسيكية بمائة عام ونيف ليست يأس الفلسفة أو فضيحتها، بل هي تأكيد لقدرة الفلسفة على استشراف الآفاق المستقبلية. إن استعصاء مشكلة الاستقراء على الحل وفقا لإبستمولوجيا العلم الكلاسيكي الحديث (حتمية، علية، اطراد، ضرورة، يقين ...) لم يكن يعني عقم الميثودولوجيا وضرورة وأد فلسفة العلم، بل كان يعني عقم الاستقراء ذاته وضرورة الانقلاب عليه من أجل الوقوف على الكنه الحقيقي للنشاط العلمي، بعبارة أخرى، لم تكشف المشكلة عن مثلب في الفلسفة، بل عن مثلب أو مثالب منطقية في فرضية الاستقراء ذاتها، كالآتي: (1)
استحالة تبرير القفزة التعميمية. (2)
لو كان القانون العلمي محض تعميم لوقائع مستقرأة، فكيف يتسلل إليه الخطأ، وهو طبعا أمر واقع في العلم؟! (3)
إذا عجزنا عن تبرير الخطأ، وبالتالي تبرير التصحيحات، فكيف يتأتي التقدم العلمي. (4)
البدء بالملاحظة يرسم طريقا إلى الفرض أو القانون، كل من يسلكه، ويتبع خطوات الاستقراء يصل إلى قانون، إلى اكتشاف حقيقة كما أوضحت مناهج جون ستيوارت مل، وأوضح بيكون أن البحث العلمي متاح لذوي العقول المتوسطة. إذن العلم - بتعميماته الاستقرائية - نشاط آلي، فكيف يمكن أن نفلسفه كفعالية إنسانية نامية باستمرار؟! (5)
إذا كان العلم نشاطا آليا، ولا نجد دورا للذكاء والإبداع الإنساني، فما هو تبرير التفاوت في قدرات العلماء وإنجازاتهم؟! (6)
والأهم، ما هو تبرير بقاء مشاكل علمية (مثلا السرطان) بغير حل، مع توافر كم هائل من المعطيات التجريبية بشأنها يمكن ملاحظتها ثم تعميمها.
ثم تقدمت فلسفة العلم في القرن العشرين خطوة منطقية أبعد وأجرأ؛ لتؤكد أن الاستقراء كمنهج للعلم التجريبي ليس به مثالب وأغاليط منطقية فحسب، بل به استحالة منطقية أصلا، بعبارة موجزة البدء بالملاحظة يستحيل أن يفضي إلى شيء، والمسألة - كما طرحها جاستون باشلا - أن الواقع هو نقطة نهاية التفكير العلمي لا نقطة بدايته. وهذه فكرة انطلق فيها فلاسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين وأمعنوا في الانطلاق، فقد أصبح من الممكن بعد كل هذا الشوط من التقدم العلمي والإحاطة الوصفية بالوقائع - من الممكن أن يناقش بول فيبرآبند فكرة علم طبيعي بغير خبرة تجريبية، بغير عناصر حسية!