وهناك عامل آخر يوضح مدى ابتعاد بيكون عن الروح الحقيقية للعلم الحديث أكثر من هذا الإغفال لأهمية الرياضيات؛ ذلك أنه كان يهدف من الاستقراء هدفا مغايرا لهدف العلم الحديث، فإذا كان العلم الحديث يهدف إلى وصف وتفسير الظواهر الطبيعية، فإن بيكون كان يريد من هذا المنهج أن يفضي به إلى معرفة أو اكتشاف الصور
Forms ، أي صور الطبائع البسيطة
Simple Natures ، فقد رأى أن كل شيء في هذا العالم يمكن رده إلى مجموعة من الطبائع البسيطة عددها اثنتا عشرة، كالضوء والوزن والحرارة ... إلخ. ومن اجتماع هذه الطبائع وتفرقها تتكون سائر الموجودات، وهدف العلم الطبيعي هو اكتشاف أسباب هذه الطبائع، أي صورها. فالصورة ليست تجريدا أو فكرة مثالية، بل هي شرط فيزيائي للطبيعة البسيطة، أساس لها ومباطنة فيها، إن الصورة تمثل علة معلولها الطبيعية البسيطة. بيد أن الطبائع البسيطة ذاتها فكرة ميتافيزيقية لا علمية، توضح أن بيكون لم يتخلص تماما من شوائب العصور الوسطى المسرفة في الميتافيزيقيات، والأدهى أنه تصور مجموعة من الأبحاث تجرى في بضع سنوات تستقصي صور الطبائع البسيطة، فيكتمل نسق العلم الطبيعي! هكذا كان تصور بيكون لعالم العلم على قدر كبير من السذاجة!
على أية حال، كان السبيل الوحيد لمعرفة صور الطبائع البسيطة هو تطبيق المنهج الاستقرائي، أي التجريب، ثم تسجيل نتائج التجريب في القوائم الثلاث المذكورة، وهذا ما فعله بيكون بشأن الطبيعة البسيطة: الحرارة، وانتهى إلى أن صورتها أو علتها هي الحركة.
ويبقى أهم المآخذ على منهج بيكون هو أنه لم يفطن لأهمية الفروض، بل حذر منها وأسماها استباق الطبيعة
Anticipation of Nature ؛
14
أي استنتاجات للعقل الإنساني تنصب على الطبيعة، بينما هي تتجاوز ما تخبر به الطبيعة. وفي سياق هجومه على المنطق الأرسطي هاجم الفروض باعتبارها كالقياس الأرسطي، قضايا لفظية وليست سيطرة على الأشياء، هذا في حين أن الفروض سر تقدم العلم، إن لم تكن هي العلم نفسه، وبغيرها لا جديد إطلاقا. ثم إن بيكون بعد إنكاره للفروض كان هو نفسه يستخدمها دون أن يدري، وإلا كيف توصل إلى أن الحركة هي علة الحرارة؟ «ليست الحركة هي الظاهرة التي كان يبحثها، وإنما كان يبحث ظاهرة الحرارة، ولم تكن الحركة مذكورة في أي من القوائم الثلاث، فالحركة اقتراح، أي فرض لتفسير تلك القوائم.»
15
بخس قيمة الفرض كان أعظم أخطاء بيكون. على العموم سوف نرى في موضع لاحق أن بيكون بهذا الخطأ، أيضا كان يجسد روح عصره.
على أن أوجه قصور منهج بيكون في مرحلته الباكرة لن تبخس أبدا فضله العظيم في التنويه لأهمية التجربة والتعويل عليها في اكتساب المعارف بالواقع المحيط بنا، كتجسيد لروح العصر، تجسيدا قويا حقق مأربه في تحطيم سيطرة منطق أرسطو كمنهج، وإعلان عصر العلم التجريبي ... العلم الحديث وحسبه هذا الإعلان القوي المدوي، حتى يقول بيكون عن نفسه: إنه ليس إلا «نافخ البوق».
لقد كان بيكون نزاعا بمجامع نفسه نحو الاتجاه العلمي، مؤمنا أكثر من سواه بقدرة العلم التجريبي. وقد وضع تصورا لمدينة فاضلة أسماها «أطلانطس الجديدة» لا تعدو أن تكون نموذجا مثاليا لمجتمع علمي متكامل يضم أمة من العلماء في سائر التخصصات؛ لكي يحقق العلم المنفعة القصوى للبشر. وصف بيكون «بيت سليمان» في هذه المدينة وهو صورة مثالية للمعمل العلمي وللأكاديميات العلمية، اقتفيت خطوطه فيما بعد،
16
وحين تأسست الجمعية الملكية للعلوم في لندن لتضم جهابذة العلم وتنسق بين أبحاثهم، وقف المؤسسون في حفل الافتتاح عام 1662م ليشيدوا بفضل بيكون على تيار العلم الحديث.
وكان إيمان بيكون بالعلم لا يحده حدود، فسبق عصره فعلا في التبشير بالعلوم الإنسانية، فقد أشار إلى أن القياس الأرسطي السائد يمتد ليشمل كل العلوم. وبالمثل تماما المنهج التجريبي سوف يمتد ليشمل كل شيء فنرى قوائم تصنيفية للتجارب المتعلقة بالكره والخوف والغضب واتخاذ القرارات والامتناع عنها وسائر جوانب الحياة المدنية، تماما كقوائم البرودة والحرارة والضوء والنباتات وما إليها،