وسوف نرى أن أهم تيارات الفلسفة العلمية في القرن العشرين هو التيار التحليلي الذي جعل الفلسفة منصبة على اللغة وتحليلاتها للتخلص مما يشوب التعبيرات اللغوية من لبس أو غموض أو خلط أو زيف. فلم يكن جزافا إذا الحكم بأن أوهام بيكون أو الجانب السلبي من منهجه، أهم وأكثر حيوية من الجانب الإيجابي.
لقد عرض بيكون لهذه الأوهام ضمنا في كتاب سابق له، كتبه بالإنجليزية وأهداه للملك جيمس الأول ليساعده في النهوض بالبلاد، ونشره عام 1605م وهو كتاب «النهوض بالتعليم
Advancement of Learning »، ثم أعطاها أسماءها وفصلها تفصيلا في الكتاب الأول من «الأورجانون الجديد» الذي يغلب عليه الطابع النقدي؛ وذلك لكي يعقد الإنسان العزم على التحرر منها والتخلص من أدرانها، فيمارس التجريب بعقل تأهب تماما لجني مغانمه.
وفي الكتاب الثاني من «الأورجانون الجديد» يعرض بيكون للجانب الإيجابي من منهجه، أي لقواعد التجريب، وقد أسماها «صيد بان»، و«بان
Pan » هو إله الصيد عند الإغريق، قيل: إنه ابن زيوس من إحدى حوريات الطبيعة الأركاديات وتدعى كاليستو
Calisto ، فتعود أصول «بان» وعبادته إلى الأركاديين القدامى الذين يمثلون الجانب الرعوي الريفي في حضارة الإغريق، حيث الطبيعة الخالصة، إنه إله البراري والتلال والغابات والوديان والرب الحامي لأسراب الطيور وقطعان الحيوانات، وللرعاة والقناصين، وكانوا يتصورونه ذا أنف أفطس ولحية كثة، وشعر أشعث، وله قدما ماعز، يجول أثناء النهار في البراري والوديان ليحمي القطعان، خصوصا قطعان الماعز، ويطارد الحيوانات الضارية التي تهددها، وفيما بعد أصبح «بان» رمزا للكون الطبيعي بأسره، وتركزت عبادته في الريف،
12
وتبدو براعة هذه الاستعارة واضحة جلية، فهي تحمل تمثيلا لهاجس الطبيعة المسيطر على الأذهان. وبيكون يقصد منها أن ممارسة المنهج التجريبي تغتنم معارف تماثل ما يغتنمه إله الصيد حين يمارس الصيد!
وهذا الجانب الإيجابي في منهج بيكون ينقسم بدوره إلى قسمين أو مرحلتين: المرحلة الأولى هي إجراء التجارب، وقد تحدث بيكون عن أنواع ودرجات التجريب من قبيل تنويع التجربة وتكرارها وإطالة أمدها ونقلها إلى فرع آخر من فروع العلم، وعكسها، أي إجرائها بصورة معكوسة، وإلغائها لدراسة الصورة السلبية لموضوع البحث ... إلخ. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التسجيل، تسجيل نتائج التجريب في قوائم تصنيفية. وتعد «القوائم» من المعالم المميزة لمنهج بيكون، وقد أكد عليها تأكيدا؛ إذ يقول: إن الجزئيات أو الوقائع التجريبية أشبه بجيش ضخم العدد مبعثر ومتفرق، وما لم تنتظم الوقائع التجريبية المتعلقة بموضوع البحث سوف يضطرب التفكير ويتشتت ويضل طريقه، ولن يصل إلى شيء. والأمل معقود على استخدام قوائم الكشف لكي يصنف العقل الوقائع التجريبية وينظمها تبعا لدرجاتها ويحدد الأمثلة النافية، وبهذا يستطيع العقل أن يمارس عمله ويستخلص نتائج التجريب، وفقا لما تمده به تلك القوائم،
13
وهي ثلاث على النحو التالي: (1)
قائمة الحضور والإثبات، ويسميها بيكون أحيانا بالقائمة الجوهر، وهنا يضع الباحث جميع الحالات التي لاحظ عن طريق التجربة أن الظاهرة أو الطبيعة البسيطة موضوع الدراسة تتبدى فيها. (2)
قائمة الغياب أو النفي، وفيها يسجل الباحث الحالات التي تغيب فيها الظاهرة، فمثلا إذا كان موضوع الدراسة هو أثر ضوء الشمس على نمو النبات، نحاول أن نعرف ماذا يحدث لهذا النبات إذا غاب عنه ضوء الشمس، وهذه القائمة أهم القوائم وأخطرها والتي جعلت استقراء بيكون منهجا علميا وليس مجرد تعداد ساذج. (3)
قائمة التفاوت في الدرجة، حيث يسجل الباحث الدرجات المتفاوتة لحدوث الظاهرة موضوع الدراسة، وهذا التنويه السطحي لأهمية التجريب لا يجدي فتيلا، فبيكون قد تحامل على الرياضيات؛ لأنها استنباط خالص وتجريد ينأى بالباحث عن الطبيعة والتجريب! هذا بينما يقوم العلم الحديث على التآزر بين الوقائع التجريبية واللغة الرياضية، وتعد الصياغات الرياضية من معالمه المميزة؛ لذلك يقال: إن ديكارت الذي انطلق من أهمية الرياضيات وخصائص التفكير الرياضي إنما يشارك بيكون في إرساء الأصول المنهجية للعلم الحديث.