على أن اللافت حقا هو عنوان الكتاب «الأورجانون الجديد»، أي «الأداة الجديدة»، أو «الآلة الجديدة»، في إشارة واضحة إلى أن أورجانون أرسطو قد أصبح أداة قديمة بالية عفا عليها الدهر. والكتاب يقدم الأداة أو الآلة الجديدة المناسبة لاحتياجات العصر، وهي المنهج التجريبي.
شارك بيكون رجال عصره في رفضهم الضاري للمنطق الأرسطي، وكان من أعنفهم هجوما على القياس وعقمه، وحتى الاستقراء الأرسطي، لم ينج من نقد بيكون الحاد ومحاولاته لإثبات اهترائه وتهافته. على الإجمال كان «الأورجانون الجديد» أقوى تجسيد لروح عصره الرافض للماضي العقيم، ماضي العصور الوسطى الأوروبية المدرسية ينظر إليها في غضب ويروم القطيعة المعرفية عنها، فيقول بيكون، في الفقرة 83 من الأورجانون الجديد:
لقد فقدوا غاية العلوم وهدفها، واختاروا طريقا خاطئا باتباعهم منهجا ليس من شأنه أن يكشف جديدا من مبادئ المعرفة، ويكتفي باتساق النتائج مع بعضها. فليكف الناس عن التعجب من أن تيار العلوم لا يجري قدما في طريقه الصحيح؛ فقد ضللهم منهج البحث الذي يهجر الخبرة التجريبية ويجعلهم يلفون ويدورون حول أنفسهم في دوائر مغلقة، بينما المنهج القويم يقودهم من خلال أحراش التجربة إلى سهول تتسع لبداهات المعرفة.
2
وفي الفقرة (82) يدين بيكون العصور الوسطى إدانة كبيرة من حيث هي عصور أهملت الطبيعة والمعارف الجزئية ورأتها تحط من قدر العقل الذي لا ينبغي أن ينشغل إلا بالقضايا الكلية والقياس الأرسطي الذي يستنبط منها ما يلزم عنها، فأوصدت الباب أمام السبيل القويم للمعرفة، أي المعطيات الحسية والخبرة التجريبية التي تخبرنا بما يحدث في الطبيعة. لم تهجرها أو أساءت التصرف بشأنها فحسب، بل رفضتها احتقارا.
3
لقد كان الجد الأكبر لفرنسيس بيكون من المذكورين في تاريخ المنهج التجريبي، إنه روجرز بيكون
Rogers Bacon (1214-1294م) الملقب بأمير الفكر العلمي في العصور الوسطى؛ لأنه مارس التجريب ووصل إلى نتائج مبهرة بالنسبة لعصره، في الكيمياء وطب العيون، ووضع تنبؤات تحققت بالفعل في ميادين الفلك والجغرافيا والميكانيكا. ولما كان رجل دين فرانسيسكانيا فقد كان هذا مدعاة للنقمة عليه ومثارا لمتاعب كثيرة واجهها في حياته، فكيف لرجل دين في تلك الآونة أن يدعو إلى التجريب العلمي ويمارسه؟! ويخبرنا توماس ماكولي
T. B. Machaulay (1800-1859م) أشهر مؤرخي القرن التاسع عشر أن أبا فرنسيس بيكون، السير نيقولا بيكون حامل أختام الملكة إليزابيث، لم يكن شخصا عاديا، لكن شهرة الابن طغت على شهرة الوالد. أما الابن فرنسيس بيكون نفسه، فقد كان رجل قانون وعضوا في البرلمان خلال عهد الملكة إليزابيث التي كان يمرح في بلاطها طفلا، وبعد رحيلها علا نجم فرنسيس بيكون وأصبح قاضي القضاة وكبير مستشاري الملك جيمس الأول وحامل أختامه، ومنح أعلى الألقاب. إنها إذن حياة مزدحمة بالأعباء القانونية والمهام والطموحات السياسية، وزادها ازدحاما ما شاب سيرة بيكون من فضائح أخلاقية، كالغدر بالأصدقاء وتملق ذوي السلطان وتقاضي الرشاوى والمحاكمات والعقوبات التي تعرض لها من جراء هذه التهمة الأخيرة.
ويرى الدكتور فؤاد زكريا أن هذه الحياة الصاخبة التي حرمت بيكون الوقت الكافي والقدرة على التركيز، هي المبرر الذي جعله لا يكمل كتبه الكبرى ومشروعاته الفكرية، وأيضا الذي جعله يكتب الأورجانون في صورة فقرات قصيرة منفصلة،
4
على أن بيكون نفسه يبرر هذا الأسلوب في الكتابة بعدم رغبته في أن يخرج ما يبدو له في صورة العلم الكامل المتكامل كما كان يفعل المدرسيون، وأن الفلاسفة القبل سقراطيين المخلصين حقا للطبيعة كانوا يكتبون بهذه الطريقة،
5
وكل ما بقي منهم شذرات منفصلة.
وما يهمنا حقا من الإشارة إلى تلك الحياة السياسية الصاخبة، هو إيضاح كيف أن بيكون لم يكن عالما ولا حتى متابعا جيدا لحركة العلم الحديث التي بدأت بواكيرها قبله واستحثت خطاها الناشطة في عهده! كان وليم هارفي