تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ثم أصبح هم الفلاسفة الأول هو البحث عن منهج جديد يلائم الروح الجديدة ويلبي المتطلبات المستجدة للعصر الجديد، فكان القرن السابع عشر هو قرن المناهج ، منذ ديكارت الرائد (1596-1650م)، وخطابه الشهير في المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم عام 1637م.

42

وحتى الأسقف «نيقولا مالبرانش»

N. Malberanch (1638-1715م) الذي يكاد يكون الوحيد من رجالات عصره الذي فعل فعلة الإمام الغزالي وأنكر السببية في الطبيعة وقال بنوع من اللاحتمية. ومثلما فسر الغزالي اطراد الظواهر الطبيعة وارتباطها معا بمذهب الاقتران، فسر مالبرانش هذا بما أسماه مذهب المناسبة

Occasionalism . مالبرانش هو الآخر اعتنى بسبل البحث عن الحقيقة، واجتمع فلاسفة بوررويال لبحث فن التفكير، ووضع إسبينوزا

B. Spinoza (1632-1677م) رسالة في إصلاح العقل. وكان ليبنتز

G. W. Leibnitz (1646-1716م) يحلل ويشرح فكرة منهج رياضي يبشر بها بالمنطق الرياضي الحديث ... إلخ.

يعد ديكارت ذا أهمية خاصة؛ إذ يعتبر بمثابة علامة فارقة بين العصور الوسطى والعصر الحديث من حيث هو مؤسس الفلسفة الحديثة، بيد أنه كان يبحث عن وضوح الرياضيات ويقينها؛ لذا اعتمد منهجه على الاستنباط الرياضي، وليس على التجريب في محاولة لتأسيس للمبادئ العامة للمعرفة بأسرها، وإذا استثنينا ديكارت، لكان أهم فلاسفة المنهج في القرن السابع عشر - قرن المناهج - هو بلا مراء وبلا منازع فرنسيس بيكون الذي يقترن اسمه بالمنهج التجريبي والعلم التجريبي وحركة العلم الحديث بأسرها.

وقد كان العلم الحديث بمضموناته البالغة الثراء وانعكاساتها الفلسفية، بتألقاته وتأزماته على السواء هو الميراث العيني الذي تسلمه القرن العشرون، فأجاد القرن العشرون استثمار هذا الميراث بمعدلات ظلت تتصاعد وتتصاعد حتى شقت أجواء الفضاء ... حقيقة ومجازا.

الفصل الثاني

| ميراث تلقاه القرن العشرون: العلم الحديث

أولا: بيكون: روح العصر ... منهج العلم

إن الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون

F. Bacon (1561-1626م) هو الجدير حقا بالاعتبار دونا عن فلاسفة المنهج في القرن السابع عشر. فما دامت الطبيعة قد أصبحت سؤال العصر، فإن بيكون كان الأقدر على تجريد وتجسيد روح عصره باستقطابه لسؤال الطبيعة وتبنيه الدعوة لمنهج البحث المنصب عليها والملائم لها، المنهج التجريبي أو الاستقرائي أساس شريعة العلم الحديث. فاقترن اسم بيكون بحركة العلم الحديث وعد وكأنه أبوه الشرعي الذي صاغ صك شهادة ميلاده الرسمية، فتنقش مكتبة الكونجرس الأمريكي في واشنطن - أكبر مكتبة في العالم - اسمه أعلى إحدى بواباتها المذهبة بوصفه واحدا من الذين قادوا البشرية إلى العصر الحديث وعلمه الحديث.

وكان هذا أساسا بسبب كتابه «الأورجانون الجديد

Novum Organon » الصغير الحجم والذائع الصيت الذي نشره عام 1620م، وهو في الأصل ليس كتابا بمعنى الكلمة، بل مجرد جزء من عمل ضخم أسماه بيكون «الإحياء العظيم

Instauratio Magna » وضع تخطيطه في ستة أجزاء، لكن لم ينجز منها - أي لم يكتب وينشر - إلا الجزء الثاني فقط والذي هو «الأورجانون الجديد»، أي إنه «ليس كتابا مستقلا إنما هو جزء من كتاب، أو على الأقل جزء من خطة عامة لإصلاح العلم وللنهوض بحياة الإنسان».

1

وحتى هذا الجزء، أي الأورجانون الجديد، لم يكتمل تماما؛ لأنه مكون من كتابين أو فصلين، والكتاب الثاني ينطوي على خطة فرعية لم ينجزها بيكون هي الأخرى. وقد جاء الأورجانون في هيئة فقرات قصيرة منفصلة متتابعة ومرقمة، وإلى حد ما مفككة غير مترابطة، فقد يتم الانتقال من فقرة إلى أخرى فجأة بلا معبر بينهما، لكنها جميعا قاطعة كالسيف واضحة كالنهار، موجزة مكثفة بحيث لا تتسلل كلمة زائدة، ومكتوبة بأسلوب بليغ وبيان رائع عد قمة من قمم النثر في عصره.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٩