تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

على هذا النحو كان المنطق الأرسطي وقياساته منهج بحث مهيمن ومعبر عن روح العصر في الحضارة الإسلامية الوسيطة والمشرقة، وأكثر من هذا في الغرب المسيحي طوال ما يقرب من عشرين قرنا من الزمان. كانت الحضارة الإسلامية أكثر عقلانية واستنارة وتوثبا ومرونة، فاتسع إطارها الثقافي لفعاليات المنهج التجريبي وحمل لواء الحركة العلمية - كما أشرنا - وكان ذلك لعوامل كثيرة لا يتسع لها المجال وليست موضوعنا الآن؛ لأننا معنيون الآن بسياق الحضارة الغربية التي أنجبت العلم الحديث في العصر الحديث، بعد أن كان المنطق الأرسطي كمنهاج للبحث يحكم قبضته عليها، حتى كادت أن تختنق، فكيف كان هذا؟ كيف انتقلت الحضارة الأوروبية من وضع يسوده القياس الأرسطي العقيم، إلى وضع يرفع لواء المنهج التجريبي فينطلق منه عملاق العلم الحديث؟

في الإجابة على هذا السؤال نلاحظ أن القياس الأرسطي طوال العصور الوسطى المسيحية لم يكن هو المنهج الملائم فحسب، بل أيضا المنهج الأوحد الذي ينبغي أن ينفرد بحلبة البحث ويستأثر بشتى الجهود العقلية، فكيف نترك الحقائق الكلية الإلهية اليقينية في الكتب المقدسة لننشغل نحن البشر الخطائين المضللين بإعمال عقولنا الفانية الزائلة لنصل إلى حقائق مشكوك في صوابها عرضة للخطأ، أو على أفضل الفروض حقائق قاصرة محدودة؟! وكما يقول جورج سارتون: «آنذاك لم يكن فن الملاحظة العلمية قد تطور بعد، وبينما بدت الحقائق العلمية القائمة على الملاحظة والخبرة مزعزعة الأركان، فإن الأنساق الدينية كانت راسخة.»

39

فحسبنا ممارسة الاستنباط القياسي الذي لا يدانيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه ما دامت مقدماته يقينية، وهي بالقطع هكذا، أليست إلهية؟! وإذا كان المنهج القياسي الأرسطي مصادرة على المطلوب ولا يأتي بجديد، فما الحاجة إلى الجديد؟ أو إلى أي علم كسبي بعد أن ظفرنا بالحقيقة في الدارين؟! وإذا كان منهجنا لا يمس الطبيعة المتأججة من حولنا، فما ضر هذا؟! «ألم يجد رجل هذه العصور في الله وقصة الخلق وعقيدة الإرادة الشاملة تفسيرا كاملا عن كيفية نشوء العالم وتوجيهه وأساليب ذلك وأهدافه؟ فلماذا يبني الإنسان في كد وجهد بناء متشابكا كائنا هناك منذ البداية، وواضحا وظاهرا للجميع؟!»

40

وهذا التفسير الخاطئ للرسالة الدينية الذي ساد أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، إذا أضفنا إليه دأب المسيحية على التحقير من شأن المادة واعتبارها أصلا لكل شر وخطيئة، بل وتأثيم الانشغال بها، تبين لنا أن سيادة المنهج الأرسطي قد تأكدت بأن السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها لم يكن مطروحا آنذاك.

وإقصاء السؤال عن الطبيعة في العصور الوسطى الأوروبية يعود إلى أصول أعمق، ثم عضدتها الكاثوليكية وأعطتها الصياغة النهائية؛ إذ إنه بعد الفلاسفة الطبيعيين السابقين على سقراط - رواد التفكير العلمي حقيقة - اتجهت الفلسفة بفعل سقراط ثم التأثير الناجع لأفلاطون وأرسطو إلى الأخلاق والسياسة والميتافيزيقا، وأقصيت العقول عن التفكير في الطبيعة وتقلص السؤال عنها. واحتياجات الإمبراطورية الرومانية فيما بعد جعلتها تفعل المثل وينصب اهتمامها على القانون. ثم بدأت الحقبة التالية من تاريخ الحضارة الغربية في العصور الوسطى المسيحية التي كرست العقول الموهوبة والطاقات الذهنية من أجل اللاهوت، وانحطت الطبيعة أكثر لتغدو مجرد خادمة من خدم اللاهوت، تلبي ما تستطيعه من مطالب علومه. المفكرون لا يرون فيها إلا شيئا خلقه الرب، الطبيعة صنيعة الخالق، والتساؤل عنها وعن العالم المادي بمعزل عن الرب بدا لرجال ذلك العصر هراء لا طائل من ورائه. هكذا تراجع السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها إلى أقصى الحدود، إن لم يتوار نهائيا، فلا يعود ثمة احتياج لمناهج تجريبية تنصب عليها. وبالتالي ينفرد القياس الأرسطي بميدان البحث ليبدأ من يقين وينتهي إلى يقين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٧