تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الشرق الإسلامي فكان آنذاك أكثر استنارة وعقلانية وتقدما، واتسع للمنهج التجريبي وكان موطنا للحركة العلمية. ولم تحز كتب أرسطو في الشرق نفس المنزلة التي منحتها إياها الكنيسة في الغرب، بل إن نفرا من الفقهاء على رأسهم ابن تيمية (661-728ه) صاحب «نقض المنطق»، و«الرد على المنطقيين» قد شنوا حملة شعواء على أرسطو ومنطقه، فضلا عن أن الإسلام لا يعرف كهنوتا ولا سلطة لرجال الدين كي يكتسب أرسطو بعضا منها. لكن بصرف النظر عن الصياغة السلطوية الرسمية، لم ينج التفكير الإسلامي هو الآخر من هيمنة أرسطو، وكانت مباحث الطبيعة عند فلاسفة الإسلام مشبعة بالمعالم والموضوعات والمصطلحات الأرسطية. والطب أيضا بدأ عند الإغريق - الهيلين - ممتزجا بالفلسفة، ثم امتزج بالمنطق عند الهيلنستيين في مدرسة الإسكندرية، واستمر هكذا عند العرب. فكان ثمة «الفلاسفة الأطباء» وهم مدرسيون قياسيون رائدهم ابن سينا، و«الأطباء الفلاسفة» وهم ممارسون تجريبيون رائدهم الرازي.

لقد آمن علماء العرب بأن قواعد القياس قابلة للتطبيق في كل العلوم، طالما هي معنية بصورة الفكر دون مضمونه. ولما كان الإسلام بمرجعه النصي الثابت (القرآن الكريم) ضاما لمجمل الإطار الحضاري ومحددا لمعالم الأبنية الثقافية، فإن إيمان العلماء التجريبيين العرب بالقياس الأرسطي كان بعدا من أبعاد اعتماد فقهاء الدين له، فكان المنهج التجريبي مضمرا في إطار حضارة سادها النص والقياس عليه كمنهج وأسلوب للبحث.

وفي هذا يمكن القول: إنه من الناحية الواقعية الفعلية، استفاد الإسلاميون من القياس الأرسطي أضعاف استفادة لاهوتيي الكنيسة منه، وذلك بسبب جهاز الشريعة المهيب في الإسلام، وضرورة استنباط الأحكام الجزئية من قواعده العامة. لقد اتخذ الأصوليون أربعة أسس لوضع الفتاوى والأحكام، هي: أولا القرآن الكريم، وثانيا السنة والحديث، وثالثا إجماع المسلمين، أما الأساس الرابع فهو القياس الفقهي بمعنى الحكم على فرع لثبوت ذلك الحكم على أصل مشابه أو مشارك. وبالطبع المصادر الثلاثة الأسبق، القرآن أولا وقبل كل شيء ثم السنة والحديث، ثم الإجماع - هذه المصادر الثلاثة أهم وأكثر مرجعية من المصدر الرابع، أي القياس، ولا يلتجأ إلى القياس أصلا إلا إذا تعذر الخروج بالحكم الشرعي من هذه المصادر الثلاث، ولم نجد له نصا صريحا في القرآن أو الحديث، والقياس الصحيح بدوره هو ما وافق الكتاب والسنة. بيد أن النصوص ثابتة وقاطعة ومحددة، وإجماع المسلمين أيضا لم ينعقد إلا على وقائع معدودة. وفي مقابل هذا نجد القياس الفقهي إمكانية ولود متجددة، يمكنها التعامل مع كل واقعة مستجدة بقياسها على أصل مشابه، ولا شك أن الفقهاء في صوغهم لأسس ومناهج القياس الفقهي قد استفادوا كثيرا من قياس المناطقة الأرسطي. لا غرو إذا أن تبارى فقهاء الإسلام في إسباغ الألقاب الرنانة على المنطق الأرسطي، فهو : معيار العلم، محك النظر، القسطاس المستقيم، فيصل التفرقة بين الخطأ والصواب، الفاروق بين الحق والباطل، آلة العلوم، أداة العقل، علم قوانين الفكر الثابتة ... أو هكذا اعتبروه، فيقول حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (450-505ه/1059-1111م) عن المنطق، أو بالتحديد عن كتابه المدرسي في المنطق الأرسطي والقياس، والذي أسماه «معيار العلم» ... يقول الغزالي: ... معيارا للنظر والاعتبار، وميزانا للبحث والافتكار، وصقلا للذهن، ومشحذا لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة إلى الشعر والنحو، بالإضافة إلى الإعراب؛ إذ كما لا يعرف منزحف الشعر من موزونه إلا بميزان العروض، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه، وصحيحه وسقيمه، إلا بهذا الكتاب، فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار غير مأمون الغوائل والأغيار.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٦