لا ينكر بوبر أن فرويد وآدلر رأيا أشياء معينة بطريقة صحيحة، وأن بعضا مما قالاه له أهميته ويمكن تطويره ليلعب دوره في علم نفس قابل للاختبار والتكذيب، لكن النظريتين بالصورة المطروحة من قبلهما تفتقران إلى السمة العلمية ولا تخبرانا بشيء.
أما النظرية الماركسية فوضعها مختلف، فهي كما طرحها ماركس نظرية علمية، ما دامت ترتبت عليها تنبؤات معينة تجعلها قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، غير أن وقائع التاريخ أتت لتنقض كل تنبؤات ماركس وتكذبها، لكن المأخوذين بها رفضوا الاعتراف بهذا التكذيب - كما يقضي منطق العلم - وأعادوا تأويل كل من النظرية والوقائع المكذبة ليجعلوهما متوافقين، ويعود كل شيء يؤكد النظرية ويحققها، فأصبحت الماركسية على أيدي أنصارها غير قابلة للتكذيب، غير علمية، بل باتت - بتعبير بوبر - عقيدة دوجماطيقية مقواه، وإذا شاء أنصارها يمكنهم الانصراف عن العلم والسمة العلمية، فلا يستطيع معيار التكذيب التطاول عليهم، ولكنهم مع كل هذا يصممون على الإبقاء عليها بوصفها نظرية علمية، بل والتفسير العلمي الوحيد للتاريخ. في أواسط القرن العشرين ناضل بوبر كثيرا من أجل هذه القضية، ثم أتت نهايات القرن بتعزيز لموقفه يعفيه من مواصلة النضال.
وظل بوبر حتى آخر لحظة يؤكد على القضية الأوسع، وهي أن علم التاريخ ذو طبيعة مختلفة ويتعامل مع وقائع منفردة ويستحيل أن نماثله بالعلوم الطبيعية لكي نصل فيه إلى نظريات تنبوئية، فلا يمكن التنبؤ بمسار التاريخ أبدا.
لكن العلوم الاجتماعية والإنسانية أمرها مختلف عن التاريخ، فيمكن دراسة ظواهرها دراسة علمية قابلة للاختبار التجريبي والتكذيب، أي قابلة للتقدم، والطريق الوحيد المفتوح أمامها هو أن تنسى تماما النزعات الكلية والنبوءات التاريخية الواسعة النطاق، وتحيط بالمشاكل المطروحة فعلا، كل مشكلة على حدة لتدرس النتائج غير المقصودة وغير المرغوبة، فتضع تنبؤات مشروطة قابلة للاختبار التجريبي بدلا من النبوءات التاريخية الحتمية الواسعة النطاق غير القابلة لهذا. وقد أوضح بوبر أن الطبيعة التكذيبية للنظرية العلمية تعني أنها تنفي وقوع حوادث ممكنة، وهذا يعني أن القانون العلمي يمكن وضعه في صورة نافية. والعلوم الاجتماعية بتلك الوظيفة ستستطيع التوصل إلى قوانين أو فروض علمية نافية، ويعطي بوبر أمثلة على هذا: «لا يمكن فرض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية ونقلل في الوقت نفسه من تكاليف المعيشة»، أو «لا يمكن تحقيق العمالة الكاملة دون أن يتسبب ذلك في حدوث تضخم» ... وهكذا.
25
وهذا سعي مشكور من بوبر، لكن لا نستطيع الاكتفاء به؛ لأن مشكلة العلوم الإنسانية من أمهات مشاكل فلسفة العلم. والمدهش حقا أن معيار القابلية للتكذيب يفتح أمامها آفاقا مستقبلية لم يفطن إليها بوبر نفسه، وسنحاول أن نستكشفها، وربما نكون في هذا بوبريين أكثر من بوبر نفسه!
خامسا: مشكلة العلوم الإنسانية
تمثل العلوم الإنسانية بدورها ما يضاف حقا إلى الرصيد العلمي للقرن العشرين، فعلى مدار عقوده قطعت شوطا طويلا، وبذلت جهودا مضنية وناجحة إلى حد كبير في تحديد موضوعاتها وتعريف ظواهرها وصياغة مفاهيمها ومصطلحاتها، وقد أرست مناهجها وأساليبها الإجرائية، كالتحليلات الرياضية - مثلا الاقتصادية - والمناهج الإحصائية والقياسات العددية، والوسائل الأمبيريقية (أي التجريبية الخالصة) كالاختبارات والمقاييس السيكوميترية والسوسيوميترية، والتجربة المعملية والتجربة الميدانية، والعينة التجريبية والعينة الضابطة، والاستبار وقوائم الاستبيان وكشف الأسئلة واستمارة المقابلة والمشاهدة بالمشاركة، فضلا عن الأساليب الدقيقة لتحليل وتنظيم واستخلاص ما تفيد به المعطيات ... إلى آخر ما يدرب عليه الباحثون - تبعا لتخصصاتهم المختلفة - من منهجيات إجرائية دقيقة، أفضت بالعلوم الإنسانية إلى محصلات جليلة الشأن، ولا تزال تفضي، خصوصا بعد تطور الكومبيوتر الذي يسر السيطرة على جماع هائل من المعطيات الإمبيريقية.