تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس رجحان الصدق فقط، بل كل مفاهيم منطق التكذيب هي الأخرى نسبية. القابلية للتكذيب ذاتها مسألة نسبية، مسألة درجات، وتتفاوت درجات القابلية للتكذيب على أسس منطقية - حددها بوبر بدقة - تتصاعد جميعها في سلم التقدم العلمي المطرد.

هكذا كان معيار القابلية للتكذيب في معالجته الدقيقة لبنية النظرية العلمية بمثابة التمثيل العيني لمنطق التقدم العلمي، وما كان من الممكن طبعا تصور هذا المعيار في إطار العلم الكلاسيكي النيوتوني الحتمي. إنه أقوى وأنضج المحصلات الفلسفية لثورة الفيزياء الكبرى في القرن العشرين.

والمعيار في كل هذا كفؤ تماما في أداء مهمته، وهي تمييز المعرفة العلمية عن الميتافيزيقا واللاهوت وسواهما من مباحث ذات معنى وأهمية، لكنها ليست علما وليس مطلوبا منها أن تخبرنا عن وقائع العالم التجريبي. المهم فعلا أن المعيار قادر على استبعاد العلوم الزائفة التي تدعي الإخبار عن الواقع وتتذرع بما يبدو من تأكيد وتحقيق لها فتختلط بالعلم، وهذا هو الخطر المعرفي الداهم. مثلا علم التنجيم القائم على افتراض زائف؛ وهو أن حركة الكواكب لها تأثير على الأحداث الأرضية، يسهل العثور على الوقائع المؤيدة للتحقق منه، فلو قيل: إن مواليد برج الميزان سعداء، فإنه من السهل الإتيان بألف شخص من مواليد هذا البرج السعداء. وطالما انخدع المنجمون وخدعوا بما اعتقدوه من وقائع مؤيدة لنظرياتهم، ويتغاضون عن الوقائع المفندة لها. ودع عنك الاختبار ومحاولة التفنيد، إن البعد المنهجي للتكذيب غير قائم في أمثال هذه العلوم الزائفة. ومن الواضح الآن أن المعيار ومحاولات الاختبار التجريبي والتكذيب كفيلة باستبعادها.

وليس التحليل النفسي لفرويد وعلم النفس الفردي لآدلر علوما؛ لأنهما ببساطة نظريات غير قابلة للتكذيب إطلاقا، وليس لها أية فئة مكذبات محتملة، فليس ثمة أي سلوك إنساني يمكن أن يعارضهما، وليس ثمة أي سلوك إلا ويمكن تفسيره وفقا لمصطلحات هاتين النظريتين. والمثال الذي يضربه بوبر على هذا هو رجل يدفع بطفل إلى الماء بقصد إغراقه، ثم رجل آخر يضحي بحياته محاولا إنقاذ الطفل، كل من هذين السلوكين المتناقضين يمكن تفسيره بنفس السهولة بنفس المصطلحات في نظرية فرويد، وأيضا بنفس المصطلحات في نظرية آدلر. فتبعا لفرويد يمكن أن نفسر موقف الرجل الأول بأنه يعاني من الدوافع المكبوتة، مثلا إحدى مركبات عقدته الأوديبية. أما الرجل الثاني فنفسر سلوكه بنفس الدوافع المكبوتة، ولكنها في حالة إعلاء وتسام. وطبقا لنظرية أدلر نجد الرجل الأول يعاني من شعور بالنقص سبب له الرغبة في إثبات جرأته على ارتكاب جريمة ما، ونفس الشعور بالنقص سبب للرجل الثاني الرغبة في إثبات جرأته على إنقاذ الطفل! على هذا النحو نجد النظريات التحليلية دائما يمكن تطبيقها، دائما يمكن تأكيدها، تفسر كل شيء وتشرح كل شيء، ولو جاء رجل ليؤكد أنه لم يشعر إطلاقا بعقدة أوديب ولم يصدر عنه أي سلوك ينم عنها - وهذا ما لا بد أن يؤكده الأسوياء - فلن يعتبر التحليليون هذا تفنيدا لنظرياتهم، بل على الفور سيتملصون من هذا التكذيب بأن عقدة أوديب مكبوتة في اللاشعور، والنظرية بهذا غير قابلة للاختبار، وبالتالي غير قابلة للتكذيب. ويمكن على هذا النحو إدخال كل الأحداث الممكنة وكل الوقائع الممكنة وكل النماذج السيكولوجية الممكنة في نطاق هذه النظريات، بل وكتأكيدات لها، وهذه القدرة الظاهرية على تفسير كل شيء وأي شيء بدت في نظر العوام معلما على قوة النظرية الفائقة، لكنها من وجهة نظر معيار القابلية للتكذيب تبدو نفس سبب ضعفها الحقيقي وخوائها، فالنظرية تشرح كل شيء وتفسر كل شيء لذلك تعجز عن التنبؤ بأي شيء، ولا يترتب عليها - أو على الغالبية العظمى من أجزائها - نتائج تجريبية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٩٢