لا يمل بوبر من التأكيد على ضرورة التفلسف وإلا لما كان هو فيلسوفا، وعلى أن المشاكل الفلسفية أصيلة وليست مشاكل مستهلكة
Second hand
متخلفة عن العلم في صياغته اللغوية. وبهذا يرفض كل محاولات الوضعية والتحليلية لإذابة المشاكل الفلسفية، ويرفض أيضا اعتبار المشاكل الفلسفية مشاكل منطقية على أساس أن حلها يمكن فقط بواسطة الأساليب المنطقية، يرد بوبر على هذا بأن كثيرا من مشاكل الفيزياء لا يمكن حلها إلا بأساليب الرياضة البحتة، ولا يؤثر هذا على تصنيفها كمشاكل فيزيائية ما دامت موضوعا لبحوث الفيزيائيين.
وبوبر ككل إبستمولوجي جاد في القرن العشرين، شديد التقدير والإكبار والولاء لبرتراند رسل، ويرى نظريته في الأنماط المنطقية إنجازا عظيما وعالجت مفارقات كانت في حاجة إلى التحليل المنطقي ليكشف عنها، لكن الخطأ جاء من فتجنشتين والوضعيين حين عمموا هذه الفكرة وعدوا جميع المشاكل الميتافيزيقية قائمة على مغالطات منطقية ونتيجة لسوء استعمال اللغة. ونلاحظ أن رسل نفسه انتقد تعميمهم لأفكاره في شكل معيار التحقق الذي وضعوه لتمييز العلم، وكانت معاييرهم لتمييز العلم جبهة ساخنة لهجوم ضار ومفصل من بوبر.
يرى بوبر أن معايير الوضعية لم تهدف إلى تمييز العلم حقيقة، بل لتحقيق الغرض المسبق والمستحيل وهو استبعاد الميتافيزيقا بأسرها بوصفها لغوا بغير معنى، ولا يمكن استبعاد كيان ثري مهيب كالميتافيزيقا بجرة قلم، ولو أرادوا استبعاد اللغو حقا فعليهم أن يقوموا بفحصها فحصا نقديا مفصلا، ولو فعلوا لاكتشفوا كنوز الأفكار الخصيبة التي تحويها الميتافيزيقا. وكما رأينا استبعاد الميتافيزيقا بجرة قلم ألقى بالنظريات العلمية البحتة في نفس هوة العبارات الزائفة؛ لأنها لن ترتد إلى وقائع الملاحظة ولن تقبل التحقق التجريبي أكثر مما تقبله عبارات الميتافيزيقا. وقد نفذ الوضعيون من هذا بالتفسير الأداتي كما أوضحنا.
فكان الخطأ الكبير الذي تعثرت فيه الوضعية ولا مخرج منه هو المطابقة بين العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، هذه المطابقة هي التي ردت سهامهم إلى نحورهم وجعلت مناقشاتهم عن المعنى بغير معنى، وبهذا المنظور يغدو كثيرا مما قيل في العلم والرياضيات - لا سيما - في الكلاسيكيات ينبغي أن يعد بغير معنى. يضرب بوبر مثالا بحساب التفاضل والتكامل في عهوده الأولى حتى القرن الثامن عشر، فكان بلا شك لغوا وتناقضات بغير معنى وفقا لمعايير فتجنشتين وأتباعه الوضعيين، فهل كان عليهم أن يشهروا أسلحتهم في وجه رواد هذا الحساب وينجحوا في استبعاد جهودهم، بينما فشل في هذا نقادهم المعاصرون لهم كجورج باركلي الذي كانت أحاديثه في هذا الصدد ذات معنى ومطابقة تماما لمعايير الوضعية! إن تهمة الخلو من المعنى فضفاضة ولا يمكن وضع خط فاصل قاطع بين المعنى واللامعنى. وكما يوضح المثال إذا أمكن وضع هذا الخط تبعا لتصور مسبق ومحدد لمفهوم المعنى، فلن يكون هذا في صالح التقدم العلمي أبدا.
من ناحية أخرى يطابق الوضعيون بين معنى القضية وأسلوب تحققها وصدقها، لكن التحقق نهائي ما دام واقعا، فهل يعني هذا أن الصدق نهائي وكل قضايا العلوم التجريبية يقينية؟! إنهم أول من يرفض هذا، ومع ذلك جعلوا التحقق منهجا لتمييز الكلمات أيضا فيما يعني تأويلا عدديا لمعنى الكلمة بإحصاء الأشياء التجريبية التي تسميها الكلمة، وهذا يفضي بنا إلى لغة اسمية لا تناسب إطلاقا الأغراض العلمية! وينتهي بوبر إلى أن معيار التحقق لن يميز العلم، بل هو مكنسة تكنس الكثير كالنظريات البحتة والقوانين العلمية العمومية، وتكنس القليل لأن قضايا العلوم الزائفة كالتنجيم والفراسة يمكن الزعم بأساليب للتحقق منها. وليس معيار القابلية للتأييد والاختبار أسعد حظا، بل هو أكثر غموضا والتباسا في موقعه من المعنى وتمييز العلم.