تردى الوضعيون في متاهات التحليل اللغوي والبحث عن الدقة بهدي رائدهم فتجنشتين الذي شبه الميتافيزيقيين بفراشة دخلت في زجاجة وأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق الخروج من الزجاجة لينتهي الزن الميتافيزيقي إلى الأبد. لكن بوبر يرى أن فتجنشتين هو الذي دخل الزجاجة وراح يزن ولم يستطع الخروج منها؛ لأنه نسي أن اللغة وسيط للتعبير، ربما هدف من تحليلاته إلى الوضوح، إلى تلميع النظارات اللغوية؛ كي يحظى برؤية واضحة للعالم، غير أنه أمضى العمر كله في هذا التلميع ولم يستفد منه، فاندفع في ممارسة التحليلات بطريقة مملة مللا عقيما ولا يطاق، شأنه في هذا شأن نجار أمضى العمر كله في صقل أدواته وشحذها ببعضها البعض وفاته أن يستخدمها في صنع شيء مفيد.
إن فتجنشتين بلا ريب تطرف، لكنه قمة فلسفية على أية حال، وما ينبغي أن يتحدث بوبر عنه بهذه اللهجة. إن بوبر - بصراحة - يتجاوز حدود اللياقة حين الحديث عن فتجنشتين أو معه فهو خصمه الفلسفي اللدود، حتى إن بوبر يقسم الفلاسفة إلى فريقين متقابلين، أحدهما يأتم بفتجنشتين، والآخر يأتم بإيمانويل كانط الذي جعل العقل يفرض تصوراته على الطبيعة، الوضعيون المنطقيون في الفريق الأول، وبوبر في الفريق الثاني الكانطي. وعلى الرغم من حدة صراع بوبر مع فريق الوضعيين فإنه أحيانا قليلة يشير إلى إيجابياتهم كاقتدائهم برسل ومنحاهم التنويري وتأكيدهم للعقلانية وحرب العقل ضد السلطة التعسفية وضد الخرافة، وأنهم بلا مراء علامة بارزة في فلسفة القرن العشرين ومنطقه على السواء. ويعترف بوبر بأن كتابي كارناب «التركيب المنطقي للعالم»، و«القابلية للاختبار والمعنى» من أهم نصوص فلسفة العلم في تلك المرحلة. أما بالنسبة للإمام فتجنشتين فلا تفاهم ولا هوادة في القتال.
والواقع أن موقف فتجنشتين وأتباعه الوضعيين من الميتافيزيقا هو الذي دفع بوبر إلى هذا العداء السافر، فهو يرى أن الميتافيزيقا ضرورية لتقدم العلم ذاته؛ لتوسيع الخيال العلمي فتلهم بفروض خصيبة. وبالنظر إلى هذه المسألة من الزاوية السيكولوجية، فإن بوبر يرى الكشف العلمي مستحيلا بغير الإيمان بأفكار من نمط تأملي خالص، لعل النظرة العلمية الصارمة لا تبيح هذا الهامش الميتافيزيقي، لكنه الأمر الواقع.
وربما عاقت بعض الأفكار الميتافيزيقية طريق التقدم العلمي، وأبرزها فكرة أفلاطون بتحقير المادة وكل ما يتصل بالحواس كأداة للمعرفة. لكن إذا تركنا الأمثلة القليلة، وأيضا بعضا من الشطحات الميتافيزيقية التي يمكن أن نعدها فعلا ثرثرة ولغوا، وجدنا أفكارا ميتافيزيقية جمة ساعدت على تقدم العلم، بل كانت ضرورية له، وبعضها أوحى بصورة مباشرة بنظريات علمية تطورت عن فروض ميتافيزيقية صريحة أبرزها مركزية الشمس وفرض الذرة ذاته الذي طرحه ديمقريطس في القرن الخامس ق.م وظل حتى عام 1905م غير قابل للاختبار التجريبي، أي أقرب إلى الميتافيزيقا؛ لذلك رفضه هلهولتس وماخ ودوهيم.
يتفق الكثيرون مع بوبر على أن معظم مشكلات العلم لها جذور في الفلسفة، لكن من زاوية أخرى تبرز العلاقة التبادلية. أخرج بوبر مقالا بعنوان «طبيعة المشكلات الفلسفية وجذورها في العلم»،
11
يوضح فيه كيف أن المشاكل الفلسفية والميتافيزيقية دوما ذات جذور علمية واجتماعية ودينية وسياسية، وإنها لتنهار وتتحول إلى لغو إذا ما أنكرت عليها تلك الجذور أو استئصلت منها، ويذهب بوبر إلى إثبات دعواه بشروح مسهبة لأمثلة عديدة لمشكلات من أخص خصائص الفلسفة كالمثل الإفلاطونية والأعداد الفيثاغورية والمقولات الكانطية ... ليثبت جذورها في حدود علم عصرها، وينتهي إلى أن الوضعيين المنطقيين هم الذين قلبوا المشاكل الفلسفية الحقيقية إلى لغو ومشاكل زائفة، حين أنكروا تلك الجذور أو لم يفطنوا إليها وراحوا يتعقبون منطوقات ظاهرية بمنهج التحليل المنطقي ليغووا الفلسفة إلى مستنقع المشاكل الزائفة واللغو. بعبارة موجزة يرى بوبر أن مشاكل الفلسفة حقيقية ومشاكل الوضعيين المناطقة هي التي ينبغي أن تعد ثرثرة بغير معنى ولغوا، والقواعد التي وضعوها لاستعمال اللغة تجعل حياتنا بأسرها لغوا، طالما ترد كل أنشطة العقل بما في ذلك العلم والمناقشات الإبستمولوجية إلى ما لا يمكن قبوله، إلى محض مدركات حسية.