8
والواقع أن اضمحلال الوضعية المنطقية لا يعزى إلى فرد بعينه، بل إلى صعوبات داخلية وإلى إصرارها على مواصلة طريق التحقق الاستقرائي المباشر ... إلى آخر ما رأيناه. ولكن بوبر على أية حال استنشق أجواء مشبعة بسيادة الوضعية المنطقية في فيينا، ولاحقته هذه الأجواء في إنجلترا حين هاجر إليها، ثم زفرها ثورة ضد الوضعية المنطقية. كانت أولى المهام الإجرائية التي اضطلع بها بوبر في فلسفة العلم هي وقف المد الوضعي، ثم الإطاحة بأساسها الأبعد وهو النزعة الاستقرائية، هذا وذاك رفضا لمنطق التبرير.
بادئ ذي بدء نلاحظ أن الوضعية المنطقية أتت كثورة في عالم التفلسف ، تقلبه رأسا على عقب حين زعمت أن التحليل المنطقي يمكنه الكشف عن أن المشاكل الفلسفية لغو بغير معنى، وبوبر لا يرى في هذا ثورة ولا حتى جديدا، فالمناقشات الحامية الوطيس حول ما إذا كانت الفلسفة توجد أو لها الحق في أن توجد أم لا، قديمة قدم الفلسفة ذاتها، مرارا وتكرارا تقوم حركة فلسفية «جديدة تماما» تدعي أنها ستتمكن «أخيرا» من كشف النقاب عن المشاكل الفلسفية لتبدو على حقيقتها كمشاكل زائفة، وأنها ستواجه اللغو الفلسفي الخبيث بأحاديث العلم التجريبي الوضعي ذي المعنى الرفيع والمغزى الحميد. ومرارا وتكرارا ينهض حماة الفلسفة التقليدية ليشرحوا لقادة الهجوم الوضعي الأخير أن الالتجاء إلى سلطة الخبرة الحسية بالنسبة له برنامج بحث وليست في حاجة للفحص النقدي.
9
الوضعيون المنطقيون هم قادة الهجوم في القرن العشرين، وبوبر هو المدافع المستخف به عن الفلسفة التقليدية الذي يصر على أن مشاكلها حقيقية. وليس هناك شيء على وجه الإطلاق - في نظر بوبر - يعز على النقد أو حتى يستغنى عنه. ولما كان بوبر يرى أن الفلسفة هي الدراسة النقدية، للخبرة الحسية وسواها، بدا بوضوح لماذا يعادي بصراحة هذا التوجه الذي يعادي وجود الفلسفة أصلا. النقد دائما هو حجر الزاوية من أفكار بوبر، وهو الآن يصوبه على الوضعية المنطقية.
أما عن منحاها اللغوي، فهو أيضا ليس بالجديد، الاهتمام بالكلمات ومعانيها واحد من أقدم المشاكل الفلسفية، كان السفسطائي بريديقوس مهتما بتمييز المعاني المختلفة للكلمات، فأطلق أفلاطون على هذا الاهتمام اسم «مبدأ بريديقوس»، يقول بوبر: إن هذا المبدأ كان جديدا وهاما عام 420ق.م فهل نعتبره جديدا وهاما في القرن العشرين؟! ببساطة يرفض بوبر الفلسفات التحليلية اللغوية بتعبير موجز يقول فيه: «ما زلت على اعتقادي بأن أقصر طريق إلى الخسران العقلي المبين هو هجران المشاكل الحقيقية من أجل المشاكل اللفظية.»
10
ليس معنى هذا أن بوبر لا يعتبر اللغة مهمة، إنها في نظره أخطر مكونات العالم الإنساني، لكن لا ينبغي أن تدور فلسفة اللغة في متاهات لفظية، بل يجب أن تعمل على شرح الوظائف الأربع الأساسية للغة ، وهي: الوظيفة التعبيرية بمعنى التعبير عن النفس، والوظيفة الإشارية والوظيفة الوصفية والوظيفة الجدلية بمعنى النقاشية. ويوضح بوبر أن اللغة - أيا كان مستواها - لن تكون لغة إلا إذا كانت قادرة على إثارة استجابة من كائن حي آخر. لغات الحيوان أو وسائل تواصله من رقص أو تلامس أو إصدار أصوات أو غيره، قادرة على أداء الوظيفتين التعبيرية والإشارية، ثم تتميز اللغة الإنسانية فقط بقدرتها على أداء الوظيفتين العليتين الوصفية والنقاشية. اللغة الإنسانية بوظائفها الأربع - لا سيما العليتين - هي علة خروجنا من مملكة الحيوان وعلة كوننا بشرا، فالوعي نتيجة لها. إننا ندين بعلمنا وحضارتنا للغة، فهي التي كفلت تواصل الأجيال واستئناف المسير. هكذا يعلي بوبر من قدر اللغة، بينما يحط من قدر الفلسفات اللغوية التحليلية المتطرفة التي عرضها الفصل السابق كالتحليل العلاجي وفلسفة اللغة الجارية في أكسفورد، ومن قبل ومن بعد الوضعية المنطقية، فلسفة العلم التي اقتصرت على التحليل المنطقي اللغوي وأرادت قصر الفلسفة عليه.