Loik der Forschung » الصادر في فيينا باللغة الألمانية عام 1933م، وهو في طليعة النصوص المشكلة لمسار فلسفة العلم في القرن العشرين.
وبحكم انتشار وسيادة اللغة الإنجليزية عموما وفي مجال فلسفة العلم خصوصا، فإن هذا الكتاب لم يمارس تأثيره الكبير إلا بعد أن ترجم إلى اللغة الإنجليزية عام 1959م، تحت عنوان أكثر حصافة ودلالة هو «منطق الكشف العلمي»، وفي حوار شهير بين بريان ماجي وكارل بوبر، تساءل ماجي عن سبب هذا التغيير في العنوان، تجاهل بوبر السؤال ولم يعره انتباها، فلم يكن السبب جليا.
6
وفيما بعد اتضح تأثير بوبر الكبير على مسار فلسفة العلم وعلى فلاسفتها التالين - كما سيوضح الفصل التالي - وأزاحت الدراسات الإبستمولوجية التالية النقاب عن السبب المطمور لهذا التغيير، وهو أن «الكشف» أكثر حركية وديناميكية من «البحث» فيكون الأقدر على أن يبلور الانتقال من منطق تبرير المعرفة العلمية، إلى منطق التقدم المستمر.
ألحق بوبر بالترجمة الإنجليزية «منطق الكشف العلمي» ملحقا مطنبا بعنوان «بعد عشرين عاما» أثبت فيه بضعة مستجدات، منها محصلة لقائه بآينشتين ومحاولات بوبر لكي يقنعه بالعدول عن الإيمان بالحتمية العلمية التي تبخرت، جرى هذا اللقاء عام 1950م، حين ذهب بوبر إلى أمريكا تلبية لدعوة تلقاها كي يلقي محاضرة بجامعة هارفارد في ذكرى وليم جيمس. ما زالت طبعات «منطق الكشف العلمي» تتوالى حتى يومنا هذا، وترجم إلى سبع عشرة لغة منها العربية، كما ترجمت أربعة كتب أخرى لبوبر إلى اللغة العربية.
بعد هجرة بوبر إلى أستراليا ثم إلى إنجلترا ليستقر فيها صدرت كتبه بالإنجليزية، وتوالت على مدار السنين أبحاثه ودراساته ومحاضراته في فلسفة العلم بصورة نظامية متواترة حتى آخر لحظة في حياته التي غطت القرن العشرين بأسره إلا قليلا، حمل بعضها كتاباه الكبيران في الحجم والقيمة «الحدوس الافتراضية.
7
والتفنيدات: نمو المعرفة العلمية 1963م»، و«المعرفة الموضوعية: تناول تطوري 1972م». وليس بوبر من نمط الفلاسفة الذين يمرون بمراحل فكرية أو تتعرض فلسفاتهم لتطورات وتعديلات، بل هو - على عكس رسل مثلا - ظلت منطلقاته وتوجهاته الفلسفية ثابتة راسخة بطريقة غير عادية. ساعد هذا على أن يظل «منطق الكشف العلمي» دائما مركز فلسفته، حتى إنه بعد نصف قرن، في عامي 1982م و1983م صدرت ثلاثة أعمال لبوبر، هي: «الواقعية وهدف العلم»، و«الكون المفتوح: حجة للاحتمية»، و«نظرية الكوانتم والانشقاق العظيم في الفيزياء»، حرص الناشر على أن يثبت على أغلفتها أن ثلاثتها مأخوذة من شروح وهوامش على «منطق الكشف العلمي»! صدر بعدها كتابان باللغة الألمانية هما «بحثا عن عالم أفضل 1992م»، و«الحياة بأسرها حلول لمشاكل 1994م» يضمان مقالات فلسفية عامة، كلاهما مترجم إلى الإنجليزية وأيضا إلى العربية. وكان آخر ما صدر له قبيل رحيله كتاب «أسطورة الإطار»، وهو دفاع عن العلم وعن العقلانية التنويرية في مواجهة تيارات ما بعد الحداثة التي تنقض مفاهيم عصر التنوير أو تتجاوزها. وفي هذا يعد بوبر نفسه آخر التنويريين العظام، ولا مفر من الاعتراف بأنه بهذا المنظور كان أيضا آخر الاستعماريين العظام. إنه شوفوني الإعجاب بالحضارة الغربية، يراها بما حققته من حرية وفردانية وتقليص للفقر والجهل والمرض أعلى مد بلغة الإنسان، والحضارات الأخرى في ناظريه بمثابة أطفال نفكر ألف مرة قبل إعطائهم أي قدر من الحرية والاستقلال!
ثانيا: بوبر ضد الوضعية والاستقرائية
والآن لا يدهشنا أن كتاب «منطق الكشف العلمي» كان الدافع الأساسي إلى تأليفه هو نقد الوضعية المنطقية، وطرح البنية المنطقية والاختبارية للنظرية العلمية بأسلوب يكشف عن حيودات وأخطاء الطرح الوضعي. من هذا المنطلق يعالج الكتاب نفس موضوعات دائرة فيينا كالاستقراء والاحتمالية والتأييد ومشاكل المفاهيم النظرية للكوانتم ... إلخ. وأيضا لا يدهشنا أن اعترف الوضعيون أنفسهم بأنه كتاب فذ وفريد على درجة عالية من العمق ومن التقدم، وأصدرته دائرة فيينا في سلسلة منشوراتها، وكان موريتس شليك وفرانك هما اللذان أعداه للطبع. فكما رأينا، كان بوبر يدرس في جامعة فيينا، فيما بين عامي 1918م و1928م في نفس مكان وزمان نشأة دائرة فيينا، كان أعضاؤها هم أساتذته وزملاؤه، وارتبط بصداقات شخصية حميمة مع بعض منهم، خصوصا كارناب وفيجل وفيزمان ومنجر وفيكتور كرافت وكورت جودل صاحب مبرهنة اللااكتمال، حضر بوبر اجتماعات فرعية للدائرة في منزل العضو إدجار تسيلزل، وألقى محاضرة هي أساسا نقد للوضعية المنطقية، كان بوبر مثلهم منطقيا وفيلسوف علم معنيا بتمييز المعرفة العلمية وبالأسس المنطقية للتجريب، وداعية لوحدة المنهج بين العلوم الطبيعية والإنسانية ... لكنه ليس وضعيا ولا استقرائيا بحال، وقف وحيدا ليتخذ موقفا معارضا لهم، حتى أطلق نويراث على بوبر لقب المعارض الرسمي»، وفيما بعد طرح مؤرخ الفلسفة جون باسمور سؤاله: من الذي قضى على الوضعية المنطقية؟ وبوبر يخشى أن يكون هو المسئول.