H. Spencer (1820-1903م) وليزلي ستيفن
L. Stephen (1823-1904م) والتطورية الخلقية تواصل المد الوضعي الذي يريد الأخلاق علما طبيعيا وليس فلسفيا بل مثاليا، يدرس السلوك الإنساني وغاياته، أخضعوا القيم لناموس التطور الحيوي كما أفصحت عنه نظرية دارون، أي ناموس الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح، فيبقى من مبادئ الأخلاق ما يثبت أنه الأصلح، أي الأكفأ في مساعدة الفرد على حل مشكلات الحياة والتكيف مع البيئة، والأخلاق بهذا متطورة متغيرة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وليست البتة مطلقة ثابتة كما يتوهم المثاليون.
كان دارون كما هو معروف إنجليزيا، والفلسفة التطورية الأخلاقية والاجتماعية أيضا إنجليزية، على أن أقوى التمثلات الإنجليزية للفلسفة العلمية التجريبية مذهب انطلق من ذلك العام الحاسم 1900م وهو الفلسفة التحليلية التي سنراها تفصيلا في حينها.
تنطلق البرجماتية وقريناتها من مذاهب الفلسفة التجريبية العلمية من الخبرة
experience . الخبرة هي التفاعل المتنامي دائما بين الكائن الحي والبيئة، المعرفة ذاتها وسيلة لتنظيم الخبرة، ويبقى صلب التجريبية الجذرية في أن حقائق الأشياء يستحيل إدراكها بصورة قبلية سابقة على الخبرة التجريبية، والصدق خاصة للمعتقد الإنساني حين يستوفي شروط تمليها التجربة. وتؤكد البرجماتية على مقولتين قوضتا روح المثالية وسادتا في فلسفة القرن العشرين وساهمتا كثيرا في جعلها وثيقة الاتصال بروح العلم التجريبية: المقولة الأولى هي الواقعية بمعنى الاعتراف بالوجود الواقعي المستقل للعالم التجريبي، فلا يعود فكرة أو تصورا مرتهنا بالعقل الذي يدركه كما تذهب المثالية المتطرفة. المقولة الثانية هي التعددية، بمعنى أن العالم ليس كما يذهب المثاليون - وفي طليعتهم فرنسيس برادلي - ليس كلا واحديا محكوما بعلاقات داخلية ولا أجزاء له ولا تكثر فيه، بل إن العالم تعددي ... كثرة متكثرة من الوقائع والجزئيات. والتعددية هي نظرية أنطولوجية متسقة مع روح العلم أو مع التجريبية، ومن الذين مكنوا لها، شارل رينوفيه الذي اعتبره جيمس أستاذا له في إثبات الحرية الإنسانية، وأيضا الفيزيائي إرنست ماخ فيلسوف التجريبية الألمانية الشهير الذي ارتد العالم بأسره على يديه إلى إحساسات، بينما ارتد مع جيمس إلى خبرات، وفي النهاية أتت التعددية التجريبية مع وليم جيمس ومعاصره إرنست ماخ قوية ماضية، ولم يكن ينقصها إلا خطوة واحدة سوف تقطع لاحقا على يد برتراند رسل، وهي التسلح بالصياغات المنطقية.
لقد التقت مختلف مذاهب الفلسفة التجريبية في القرن العشرين على خصائص عامة مقتبسة من روح العلم، باتت تميز فلسفة هذا القرن بأسرها، فهي جميعا تتجه نحو عالم الظواهر والخبرة وتنصب على الواقع فتغدو وثيقة الاتصال بفرائده لا تنفصم البتة عنه، ولا قبل لها بالتحليق في سرمد الفلسفات المثالية الخالصة. وبتأثير المد التجريبي شهد القرن العشرون عزوفا عن بناء أنساق شامخة تستوعب الوجود والمعرفة والقيم جميعا، على غرار مذاهب كانط وهيجل والفلسفات المثالية عموما منذ أفلاطون. وأصبحت الفلسفة في القرن العشرين مناهج أكثر منها مذاهب، أي أسلوبا للبحث وطريقة للنظر وليست مصفوفة من الحقائق أو بناء مهيبا من الأفكار المطلقة. وبالتالي أخذت الفلسفة من الروح العلمية التجريبية التناول الجزئي، وأحيانا التفتيتي للموضوع، فانفسح رحاب الفلسفة لطابع العلم الجمعي التعاوني؛ لتتآزر الجزئيات معا نحو التصور الأكمل للموضوع والمتنامي دوما. لم يعد المذهب الفلسفي فتحا لعبقرية جبارة يقتصر اللاحقون على ترتيله، بل أصبح شقا لطريق تتوالى فيه الجهود وتتواصل.
لقد نجحت التجريبية منذ مطالع القرن العشرين والعام الحاسم 1900م في أن تفرض ذاتها، وتفرض هذا الطابع العلمي على التيارات الكبرى المشكلة لفلسفة القرن؛ لأنها أصبحت تجريبية قوية، متطورة ومتبصرة ومدججة، بحيث تمثل تقدما فلسفيا وعقليا عما سبق. إنها تختلف اختلافا ملحوظا عن التجريبية الفجة الساذجة السالفة، التي بلورتها النزعة الاستقرائية، خصوصا في تسلحها ببعدين: