ثم تحددت معالم البرجماتية وأصبحت مذهبا فلسفيا متكاملا على يد وليم جيمس ذي الفلسفة التجريبية الراديكالية «الجذرية»، والنظرة التعددية للعالم رفضا للواحدية المثالية. ويراه برتراند رسل صاحب أقوى أثر في تقويض المثالية الألمانية، فقد شن جيمس حملة شعواء على فلسفة هيجل ومطلقها المثالي ورآه كفيلا بتدمير القوى الخلاقة للإنسان الفرد، وقدم واحدا من أقوى عروض الفلسفة التجريبية لدرجة يصح معها الحكم بأن فلسفة جيمس المدخل الحق للتجريبية الغالبة على فلسفة القرن العشرين. وقد أشرنا سابقا إلى كتابه «مبادئ علم النفس 1890م» ودوره في علم النفس التجريبي، وهذا الكتاب له أيضا دور في لفت النظر الفلسفي إلى أن التحليل المجرد للعقلانية لا يكفي ولا بد من الانتباه إلى أهمية التفاعل والتواصل بين ما هو ذهني وما هو بيولوجي واقعي، أي علمي تجريبي، ورأى أن البرجماتية في ربطها المعنى بالنواتج الواقعية إنما هي تطوير طبيعي للتجريبية التقليدية، فأخرج عام 1907م كتابه «البرجماتية»، بعنوان فرعي: «اسم جديد لمنهج قديم في التفكير»، وأهداه إلى ذكرى جون ستيوارت مل مؤكدا أنه لو كان حيا لناصر البرجماتية بكل قوة. وكان جيمس دائما يميل إلى الدين ونصرة الإيمان، وفي كتابه «إرادة الاعتقاد 1897م» قدم تبريرا برجماتيا للدين، بمعنى أن نؤمن به؛ لأن الإيمان الديني نافع ومفيد في جلب الراحة والهدوء النفسي والضبط الأخلاقي. يحتوي «إرادة الاعتقاد» على أشهر مقال لجيمس وهو «معضل الحتمية» حيث يبين تناقضات الحتمية مع ذاتها ومع القضايا المتصلة بها، ويرفضها تماما إثباتا للحرية، وأبلى جيمس بلاء حسنا في قضية الحرية حتى عد من سدنتها المخلصين، وربما أيضا لأسباب برجماتية، فالحرية الإنسانية لها نتائج عملية مفيدة في تحمل المسئولية، وجدوى الثواب والعقاب والقيم الخلقية إجمالا، والإبداع والتميز ... إلخ. وقبيل وفاته بعام واحد، أصدر عام 1909م كتابه «معنى الصدق: تتمة للبرجماتية»، حيث فصل ما أجمله تشارلز بيرس، فأوضح جيمس أن الصدق أو الحقيقة
truth
خاصية للاعتقاد الإنساني وليست كيانات مطلقة، وكل ما يقع خارج الدائرة الإنسانية ليس حقائق بل وقائع، وإذ تصبح الحقائق مسألة إنسانية فإنها بالتالي نسبية قابلة للخطأ متغيرة ومتطورة شأن كل ما هو إنساني؛ وذلك هو صلب الفلسفة البرجماتية.
ثم تطورت البرجماتية واتسع مداها مع فلاسفة أمريكيين لاحقين، خصوصا جون ديوي
J. Dewey
الذي بدأ من الفلسفة الهيجلية ولكي يداوي ما رآه فيها من انفصال بين الفكر والواقع انساق تماما للبرجماتية ورأى أن المعرفة وظيفتها تنظيم السلوك، وأن الفكرة أداة للعمل، فتنعت برجماتية ديوي بأنها وظيفية أو أداتية، وقد جعلها أساسا فلسفيا للتربية وللدفاع عن الحرية والليبرالية الحديثة ونظريته السياسية إجمالا.
خلاصة الفلسفة البرجماتية أن العقل يحقق هدفه حين يقود صاحبه إلى العمل الناجح. إذن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة، ولا تقاس الفكرة إلا بنتائجها العملية، أي بفائدتها. هكذا تنتفي تماما الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة التي تبحث عنها المثالية. الحق والخير والجمال هو العملي النافع المفيد. تنشأ القيم من الواقع الطبيعي وتكون متغيرة متطورة تبعا لنواتج الخبرة التجريبية التي تشهد بقدرة المبدأ الخلقي أو القيمة على حل المشكلات. في هذا تلتقي البرجماتية مع سائر مدارس فلسفة الأخلاق التي تستلهم الروح العلمية التجريبية، وترفض الحاسة الخلقية والحدسية الأخلاقية ومبدأ الواجب المطلق عند كانط ... وما إليه من اتجاهات مثالية في فلسفة الأخلاق، وعلى الرغم من أن وليم جيمس لم يتعاطف مع التطورية الاجتماعية، فإن البرجماتية بتأكيدها على قدرة القيمة والمبدأ الخلقي على حل المشكلات إنما تلتقي مع التطورية الخلقية. والتطورية اتجاه في الفلسفة الإنجليزية استقطب مد الروح العلمية والعلم عموما ونظرية دارون التطورية خصوصا، ومن أعلامه هربرت سبنسر