تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في القانون الخامس يتباطأ الزمن تبعا للسرعة، وبالمعامل نفسه الذي ينكمش به الطول؛ لذلك يختلف الزمن أو يتباطأ باختلاف السرعة التي يسير بها حامل الساعة - أي الذي يقوم برصد الزمن - وبهذا ينهار تماما الزمن الموضوعي المطلق في الفيزياء الكلاسيكية الذي يتدفق بمعدل واحد بالنسبة للجميع من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل.

وكان هذا كما يقول هيزنبرج: «أول هجوم سلط على الفرض الأساسي للفيزياء الكلاسيكية.»

32

والمقصود فرض الزمان والمكان الموضوعيين المطلقين كخلفية لمجمل الأحداث، أطاحت بهما النظرية النسبية، وأطاحت بالانفصال التقليدي بين مفهومي الزمان والمكان، حين جعلت الزمان بعدا رابعا للأبعاد الثلاثة التي لم يخطر الكلاسيكيون سواها: الطول والعرض والارتفاع، وأتت بالمتصل الزماني/المكاني

spatio-temporal

الرباعي الأبعاد، ويعد الفيزيائي مينكوفسكي

Minkowisky

من رواد معالجة العالم ذي الأبعاد الأربعة، وقد أوضح كيف يمكن تطويق المطلق بالعود إلى أصله الرباعي، وأن نبحثه بعمق أكثر،

33

وهذا ما فعله آينشتين حين طرح المتصل الزماني المكاني الرباعي الأبعاد، وهو ليس كيانا واحدا يحل محل كيانين هما الزمان والمكان، وليس شيئا وليس مسرحا جديدا للوقائع الفيزيائية، بل هو نظام من العلاقات بين الأحداث، يهدم تماما التصورات الكلاسيكية عن التتابع الزماني والتجاور المكاني، وعن المادة بوصفها مكونة من جزيئات عبر آنات الزمان في نقطة من المكان،

34

من حيث يهدم مفهومي الزمان والمكان المنفصلين والمطلقين.

لقد نقض آينشتين المطلق النيوتني، في أول صياغة لقانون النسبية العام 1905م، حين أعلن أن الطبيعة تجعل من المستحيل تعيين الحركة المطلقة عن طريق أية تجربة مهما كانت. والحق أن نيوتن نفسه قد أعرب عن استحالة تعيين الحركة المطلقة والسكون المطلق، فظلا في الواقع نسبيين، أي بالنسبة للأرض التي تتحرك بالنسبة للشمس المطلقة والسكون المطلق، وفي هذا ألمعية فذة منه، لكنه في النهاية لم يضع النسبية في اعتباره وأقام نظريته على الأساس المطلق كما رأينا، بينما عجز العلم عن إيجاد الجسم الذي افترضه نيوتن في حالة سكون مطلق، أو بالأصح أثبت استحالة وجوده، فالقمر متحرك بالنسبة للأرض، والأرض متحركة بالنسبة للشمس والمجموعات الكونية الأخرى متحركة، والكون كله في حركة دائبة.

35

لذلك نجد أن النسبية تعلم أنه لا يوجد في الكون كله مقياس معياري للطول أو الكتلة أو الزمان؛ لأنه سوف يتضمن الثبوت في مكان معين وهذا شيء لا وجود له. الزمان الذي تحدده حركة الأجرام السماوية، وبعدها المتغير عنا، كلاهما نسبي غير منتظم، ولا يجري في جميع أنحاء الكون بالتساوي، فأين الزمان المطلق الذي تحدث عنه نيوتن؟

والواقع أن المطلق لا وجود له إلا في ذهن نيوتن وأشياعه، والنظرية النسبية نسبية؛ لأنها تدخل الذات العارفة كمتغير في معادلة الطبيعة؛ إذ تجعل موقع الراصد وسرعته معينات أساسية، والقائمون بالملاحظة الذين يتأملون السماء من كواكب مختلفة سوف يدرك كل منهم سماء مختلفة. كذلك يتحكم تأثير المكان في ساعاتهم - بمعنى أجهزتهم للرصد - بحيث إن الوقت الذي يقرأه كل منهم يختلف في اللحظة الواحدة، بل كلا منهم يقدر مرور الزمن تبعا لسرعة مختلفة، قد يكون مكان الملاحظ بالنسبة لنا هو الأرض في كل الأحوال، لكن الملاحظ المرتبط بالأرض لا يستطيع أن يجري الأقيسة الفلكية نفسها التي يجريها الملاحظ بكوكب آخر، والنسبية تدرس كيف تؤثر حركتا هذين الملاحظين النسبية في ملاحظاتهما، ولم يكن هذا بطريقة لا ذاتية فحسب، بل ولتحرز درجة هائلة من الموضوعية المدهشة، لكن غير المطلقة.

يقول آينشتين:

يمكن وصف عالم الأحداث وصفا ديناميكيا عن طريق تصور يتغير عبر الزمان في إطار خلفية من الفضاء ثلاثي الأبعاد، ولكن يمكن أيضا وصف الأحداث عن طريق تصور إستاتيكي في إطار خلفية من المتصل الزماني/المكاني رباعي الأبعاد. من منظور الفيزياء الكلاسيكية التصوران متكافئان، ولكن من منظور النظرية النسبية التصور الإستاتيكي أكثر ملائمة وأكثر موضوعية، وحتى في إطار نظرية النسبية ما زلنا نستطيع استخدام التصور الديناميكي، إذا كنا نفضل هذا، لكن يجب أن نتذكر أن تلك القسمة التي تفصل بين الزمان والمكان ليس لها أي معنى موضوعي، ما دام الزمان لم يعد مطلقا.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠١