وتظل فلسفة العلم دائما هي البوصلة الموجهة لعقليتي ومسار أبحاثي. ومن حسن الطالع أن تواكب مع هذا تطور ملحوظ في فلسفة العلم إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين، يتلخص في أنها انتقلت من وضع مبتسر - استمر طويلا - يولي ظهره لتاريخ العلم ولدوره في تمكيننا من فهم ظاهرة العلم فهما أعمق، فضلا عن دفع معدلات التقدم العلمي، ويكتفي بالنسق العلمي المنجز الراهن، ويفلسفه بما هو كذلك على أساس النظرة إليه من الداخل، أو النظرة إلى النسق العلمي في حد ذاته. انتقلت فلسفة العلم من هذا إلى وضع مستجد يرتكز على الوعي بتاريخ العلم، فيفلسف العلم في ضوء تطوره التاريخي، وعبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية، مما يعني تطورا ذا اعتبار في منطلقات وحيثيات وعوامل النظرة الفلسفية إلى العلم. وهذا التطور في الواقع هو تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع النظرة إليه من الخارج؛ أي باختصار نظرة فلسفية أشمل لظاهرة العلم، ترتكز - كما أشرت - على الوعي بتاريخه. وباستيعاب هذا البعد الجديد سرعان ما علمتني فلسفة العلم أن تاريخ العلم - وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات - هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد.
من هنا سهل علي اتخاذ الخطوة الأولى للخروج من ذلك الموقف الحسير، بل بدت واجبا أكاديميا، وهي أن أمد نطاق معالجاتي المصمتة لظاهرة العلم الحديث الأوروبية إلى المرحلة الأسبق منها، والمفضية منطقيا وتاريخيا إليها؛ أي مرحلة تاريخ الرياضيات والعلوم عند العرب. فانكببت بعزم أكيد على نصوص من تراثنا متصلة بالحركة العلمية التي كانت قمة الازدهار والعطاء في عصرها الوسيط، واكتشفت - لأول مرة - في الحضارة الإسلامية عقلا مبدعا باذخ العطاء، وعالما هائجا مائجا يفيض زخما وثراء. ورحت أطرح السؤال: كيف وصل إلى طريق مسدود؟ وكيف يمكن مواصلة ما انقطع؟ فتعود معاملات أصالتنا قوة دافعة للتقدم والازدهار والسؤدد، وإزالة ما يعتريها من وهن أو تصلد. في هذا الإطار خرجت أعمالي في التسعينيات وقد أصبحت إيجابيات الحضارة الغربية أدوات لدفع تقدمنا الحضاري وليس مجرد تراتيل نرددها. والهم ينطلق من إشكاليات يطرحها واقعنا نحن الحضاري. وضمن هذا السياق خرجت الفصول التي تمثل كتابا عن الآفاق الفلسفية لفكر أمين الخولي التجديدي. •••
كانت السطور السابقة التي أفاضت واستفاضت - رغما عني - ضرورية لكي توضح أن قراءتي لأعمال أمين الخولي - التي كانت هي الأخرى رغما عني - لم تأت مجرد اطلاع وتلق لأفكار وأطروحات، وهل يستطاع التلقي السلبي لأفكار أمين الخولي؟ واتضح كيف كانت بدايات ثورة في تفكيري، ثورة منهجية تعني استملاك أدوات جديدة للبحث والنظر، فيخرج إنجاز مختلف يحمل أبعادا لم تكن مطروحة فيما سبق.
من هنا لم يقتصر هذا الكتاب على مجرد عرض لبعض الأبعاد والآفاق الفلسفية للتجديد التي حاولت تعيينها واستكشافها في فكر أمين الخولي، ويحملها الباب الأول من هذا الكتاب - بفصليه - تحت عنوان «منهاج»، بل كان لا بد من إردافه بالباب الثاني الذي يحمل آفاق محاولاتي لتطبيق بعض من فرائد هذا المنهاج، لتفعيلها وتطويرها، طبعا بمصاحبة أدوات منهجية ومعرفية أخرى، لم تكن مطروحة في زمان الخولي، في النصف الأول من القرن العشرين. ألم يطرح أمين الخولي معادلته الشهيرة: التلميذ = الأستاذ + الزمن؟!
في المحاولات التطبيقية المنصبة على الهم الراهن، بدا لي أن جنوحات وترديات الفكر السلفي المتطرف الذي بلغ حد الإرهاب راجعة إلى أنه يفتقد على وجه التحديد أسسا منهجية حرص أمين الخولي - بوصفه شيخا أصوليا - على إرسائها وترسيخها. وبتطوير وتعميم هذا كانت أول محاولات التطبيق المطروحة في الباب الثاني، الفصل الثالث، وهي مواجهة عامة أو حوار مع الفكر المتطرف.