تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الأول

بعد إضافة وتنقيح. «المجددون في الإسلام» و«مناهج تجديد» و«كتاب الخير» فعلت بي فعلة أمين الخولي بتلامذته، ومن يقترب من الجذوة المضرمة في عقليته وفي أسلوبه لطرح الأفكار القادر على تثوير كل خلجة بعقل المتلقي، في خضم وابل من المنهجية والرصانة والدقة والعمق والاستنارة التي تفيض بها أعمال الخولي. وأنا أتتبع أمين الخولي في جولاته بأنحاء التراث وصولاته لتجديده، كنت أستجمع فرائد كنز مذخور من الأصول المنهجية للنظرة الحضارية التي لا تنفصل أبدا عن ذاتها وعن تراثها، ما دامت تراه قابلا للتجديد والتطوير. وأدركت كم كان بصري حسيرا.

وكانت تلك فاتحة لسلسلة من الزلازل والتوابع سوف تتصدع لها ثوابت في عقليتي وفي منظوري وأسلوبي للتفكير. لقد تزامن معها كارثة الخليج الكابية التي اهتزت لها الأركان وتبعها ما سمي بالنظام العالمي الجديد - إثر الانهيار المدوي للاتحاد السوفيتي - ليعني تنظيم العالم وفقا لقيم ومصالح أمريكا، ولماذا لا نقول؛ وأيضا مصالح إسرائيل؟! تدفق طوفان الحيرة من عيون ابني وطلابي، توالت تساؤلاتهم القلقة الموجعة ، وقد فجرتها أزمة الخليج التي اختلط فيها العدو بالصديق بالشقيق: ما القومية؟ ما العروبة؟ ما الوطن؟ من نحن؟ هل ستبقى هذه الأمة؟ هل انتهى عصر الاستعمار؟ أيهما أقسى: الاستعمار الأوروبي البائد أم الاستعمار الأمريكي الراهن المجلوب جلبا؟

وفي الإجابة على هذا لم أكن أملك إلا وقد اللهيب وحمم البركان بين ضلوعي، ما دمت أؤمن دائما بأن القومية العربية أشد حقيقية من الهواء الذي نتنفسه معا، ومن التاريخ الذي عشناه معا والكتاب الذي نقرؤه معا، وقيم الحياء الجميل، ولهفة الأمومة، ومنزلة الأخ الأكبر، والانتماء للأسرة، التي نحياها معا، والفيلم المصري الذي نشاهده معا، والأغنية التي نستمع إليها معا والشعر العربي الذي نردده معا ...

وكأن الله شاء أن يزداد الجرح القومي في النفس إيلاما، فأحصل في عام الطوفان وكوارث المعمعان عام 1991 على جائزتين من الطرفين المتناحرين، جائزة العلماء العرب الشبان من مؤسسة عبد الحميد شومان الفلسطيني في الأردن، وجائزة الإبداع الفكري بين الشباب العربي من الكويت. يتقاتل الطرفان، ويجتمعان على تقدير خاص لكتابي «مشكلة العلوم الإنسانية»، تأكيدا على أن البحث العلمي العربي كالإبداع الفكري العربي لن تقف في وجهه الحدود المصطنعة، ولو كانت بضراوة الأسلاك الشائكة وحقول الألغام. ويلتقي تقدير الطرفين المتقابلين وفي صلب الزمن العصيب، تجسيدا لثابت باق يعلو على كل الكوارث ومؤامرات الفرقة، ومصداقا لقول أستاذ الأجيال الدكتور زكي نجيب محمود: «العروبة ثقافة لا سياسة»، وهذه الأولى - الثقافة عند الله وعند الناس خير وأبقى.

تبدو المتغيرات والوقائع آنذاك وكأنها تريد أن تعصف بهذا الثابت الباقي، وتؤكد أن سؤال القومية والهوية وخيار التقدم الحضاري ليس محسوما كما كنت أتصور، ومن ثم بدا لي الموقف الفكري القاصر على ميراث التقدم الغربي، والمنبت الصلة بتعينات واقعنا ومشاكله التي تستلزم المعالجة ... ذاك الموقف ليس مجرد بصر حسير، بل هو جريمة في حق الوطن، وكانت أزمة نفسية وعقلية طاحنة.

مثلت الأصول المنهجية التي استقيتها من صحبتي لأمين الخولي طوق نجاة ومرشدا لتدارك ما فاتني. ورحت أستقبل بفعالية بالغة مؤثرات نفر من أساتذتي العظام ذوي الطرح الأبعد لإشكاليات التجديد في الفكر العربي الحديث، وقرناء لهم في أنحاء شتى من الوطن العربي، وأيضا مؤثرات نفر من تلامذتي النابهين من شباب الباحثين الجادين في أطروحات الفكر العربي الحديث ومناقشاتهم المستفيضة. هكذا تجمعت عوامل عديدة فشهدت التسعينيات منحنى حادا في طريقة تفكيري وأبعاد معالجاتي وطرحي لما أخرجته من أعمال.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٣