والأطروحة التي أتقدم بها الآن تهدف إلى انضباط وضع الطبيعيات في منظومة علم الكلام الجديد المعاصر لعصر أميز ما يميزه أنه جعل الطبيعة والسيطرة عليها واستغلالها وتسخيرها الحلبة الأولى لمعركة التفوق بين الحضارات. وكان من الضروري جعل فلسفة العلوم المدخل لهذا باعتبارها التمثيل العيني والرسمي، وأيضا الوحيد للتفكير المعاصر في الطبيعة، إن رمنا قهرا لتحدياتنا وتقدما نريد من علم الكلام الجديد أن يكون الإطار الأيديولوجي له.
ومجرد البحث في علم الكلام الجديد يعني ضمنا استيعاب وتجاوز علم الكلام القديم، استيعابه لأنه التراث الذي يمثل المخزون النفسي والنسيج الشعوري والبناء القيمي، ثم نتجاوزه لأنه نتج عن ظروف تاريخية انتهت وتخلقت ظروف مباينة تماما. إن جدلية الاستيعاب/التجاوز هي القادرة على شق طريق علم الكلام الجديد.
في هذا الطريق السائر قدما لن تكون علاقة حاضر علم الكلام بماضيه علاقة اتصال سلبي تجعل الماضي فاعلا، والحاضر مفعولا فيه، والأقدمون أوصياء علينا في الإجابة على تساؤلات لم يطرحها عصرهم، ولعلها لم تدر بخلدهم. وهي أيضا ليست علاقة انفصال بائن تجعل الحاضر منبت الجذور وكأنه ناشئ عن فراغ. إنها جدلية الانفصال/الاتصال المنبثقة عن جدلية الاستيعاب/التجاوز، ليمثلا الأداة الفعالة في يد علم الكلام الجديد. وتتحول هذه الأداة إلى سلاح ماض قادر على الحسم والإنجاز، إذ يبلغ علم الكلام مركبهما الشامل الذي يعني وضع «القطيعة المعرفية»، وهي تعني أن تنفض اليد تماما من مرحلة انتهت، ومن مسلماتها ومصادرها ومناهجها، ونحط الرحال على مرحلة جديدة بمسلمات ومصادرات ومناهج ملائمة لها.
2
من هنا - من الانتقال الجذري إلى مرحلة أو دورة جديدة، نخلص إلى أن القطيعة المعرفية مناظرة لوظيفة علم الكلام الجديد التي أسماها «د. حسن حنفي» الانتقال من التنوير إلى التثوير أو من العقيدة إلى الثورة، خصوصا إذا أخذنا الدلالة السيمانطيقية للفظ الثورة في أصوله اللغوية الإنجليزية، لا العربية، حيث تعود ثورة إلى ثار بمعنى هاج وماج. أما في الإنجليزية فتعني
Revolutionary
ثوري جذري ودوار، ثورة
Revolution ، وأيضا دورة كدورة الجرم السماوي في مداره، نجد مصطلح الثورة لا يجعل الرفض هياجا انفعاليا ومفاجئا، بل هو تقدم مكثف شديد الفعالية، انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها، لانتهاء المرحلة السابقة واستنفاد مقتضياتها.
3
وهذا هو المنشود من علم الكلام الجديد.
إذن نخلص إلى وضعية لهذا العلم مسلحة بالقطيعة المعرفية. على أن القطيعة المعرفية الآتية عبر الطريق الجدلي من المفاهيم الأساسية في فلسفة العلوم المعاصرة. فهكذا ابتدعها «باشلار» ليبلور الوضع التقدمي بعد ثورة العلم العظمي في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم والفيزياء الذرية التي قوضت عالم نيوتن الميكانيكي، ومسلمات الفيزياء الكلاسيكية، وانطلقت بمفاهيم ومناهج مناقضة تماما لتتضاعف معدلات التقدم العلمي في متوالية. من هنا تمثل القطيعة المعرفية أداتنا للربط، بل والتفاعل بين طبيعيات علم الكلام وفلسفة العلوم.
وتجد القطيعة المعرفية لعلم الكلام الجديد بيانها وإعلانها في أن الهدف من العلم القديم، والغاية التي يجتهد كي يصلها هي إثبات العقيدة. وقد حسمت هذه القضية، وانتهى زمان أو على الأقل خطر اللجاج فيها من قبل العقائد المخالفة، وأصبح الوضع معكوسا في مرحلتنا الحضارية، فالعقيدة المثبتة هي نقطة البدء التي يسلم بها ويسير على أساسها علم الكلام الجديد. وبعد أن كان الإنسان والعالم المخلوق فيه مقدمة لإثبات وجود الله الواحد أصبح الله الأحد والعالم الخالق إياه مقدمة مثبتة نجاهد كي ننتهي منها إلى إثبات حضور الإنسان المسلم في تيار التاريخ. على هذا الأساس يتحدد موضوع الطبيعة في علم الكلام الجديد.