22
ولعل ابن الهيثم المعاصر للبيروني في ذلك القرن الباذخ العطاء - الرابع الهجري - خير من يمثل موقف العلوم الطبيعية، لنلقاه يرفض طريق المتكلمين، ويبرهن على أن دليل حدوث العالم عندهم فاسد. فالعالم قديم أزلي أبدي، لكنه يخضع للخلق المستمر، تماما كما رأى ابن رشد. ولابن الهيثم «مقالة في إبانة غلط من قضى أن الله لم يزل غير فاعل ثم فعل.» وأيضا ينقسم العلم معه انقساما ثلاثيا إلى رياضي وطبيعي وإلهي. وعن فضل علم الهندسة «فإن به وبالمنطلق يوصل إلى علم الأمور الطبيعية، التي هي الحكمة، ومبادئها وعللها وأسبابها، وإلى علم الأمور الإلهية، ويوقف بذلك على حكمة الله تعالى ذكره، في هيئة السماء والأرض وما بينهما فلزم بذلك الباري الإله تعالى، حكيما قادرا خبيرا.»
23
هكذا تحيط الدائرة الثيولوجية الأنطولوجية بالطبيعيات الإسلامية من كل صوب وحدب، لتنصب في المتجه الإلهي، حتى انصبت جهود الطبيعيين أنفسهم فيه. لم يعق هذا حملهم للواء التجريبية طوال العصور الوسطى؛ لأن بحوثهم العلمية - كما أشار برتراند رسل - اتصلت بالوقائع الجزئية دون القوانين الكلية، فضلا عن الأنساق العلمية؛ أي إنهم كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي.
24
كانت الطبيعة بؤرة من بؤر اهتمام المتكلمين، ووضعها الفلاسفة قبل الإلهيات، ثم ظهر الطبائعيون المتكرسون لها، ولكنها كانت في كل حال متجهة نحو الألوهية، مما جعلها قابعة في نظرية الوجود، وبعيدة عن نظرية المعرفة التي هي مجال التنامي والصيرورة والفعالية الإنسانية. لهذا لم يقدر لها تواصل تاريخي؛ ولهذا أيضا لم يعن الطبائعيون بصياغة أنساق علمية، واقتصرت جهودهم العلمية والإمبيريقية الجادة على صياغة القوانين الجزئية. ولكن - كما هو معروف - كانت هذه الجهود مقدمات ضرورية لنسق العلم الحديث، بحكم التواصل التاريخي لحركية العلم.
وأخيرا، تجمل الإشارة إلى أن المتجه الإلهي وإن استوجب القطع المعرفي في عصرنا هذا، فإنه صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في ذلك العصر الوسيط، فلا هي انساقت مع مادية القبل سقراطيين المتطرفة، ولا مع مادية أرسطو المعدلة، إلى آخر المدى. وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينة، أيضا لم تنسق معها إلى آخر المدى. فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود الموضوعي. وهذا ما لا يمكن أن تفعله الفلسفة الإسلامية. قد تحرمه من استقلاله، أما وجوده الموضوعي فلا؛ لأن العالم الطبيعي فعلا متعينا للقدرة الإلهية. مما يوضح أن العرب أسرفوا في استغلال وتسخير التراث اليوناني، لكن كل هذا في إطار تصوراتهم وثوابتهم الحضارية.
وكان التراث العربي الإسلامي تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك الطرفين: المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل. لم يكن محض انتقاء بينهما، أو توفيق لهما مع الشريعة، كان خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي، عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي، وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ظروف العصر.
وأخيرا نرجو لهذا العرض المقتضب أن يكون قد أبان عن مواطن القوة التي خلقت التراث العلمي العربي الزاخر، مثلما أبان عن مواطن الضعف التي تبرر لماذا كان عرضة للتوقف والانحسار بفعل عوامل عديدة داخلية وخارجية.
الفصل السادس
| أول التجديد
من منظور فلسفة العلوم الطبيعيات في علم الكلام الجديد
1
نتفق في لقائنا هذا على الهوية الإسلامية، والإطار الإسلامي كمنقذ لنا من الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي في طوفان ما نعانيه من تخلف وعوز وتراجع وتمزق وتبعية، شريطة أن يكون إطارا قادرا على التلاؤم مع روح العصر المتأزم بإشكالياته الخاصة، والناهض في وجه تحدياته المستجدة. من هذه الفكرة المبدئية البسيطة ينطلق المشروع التركيبي الضخم لإقامة علم الكلام الجديد.