تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في كل حال ينبثق فكر الجماعات المتطرفة عن كراهية الواقع، ونفور من الحاضر، وعجز عن التعامل معه، حتى شكلها الحنين الدافق والهيام الرومانتيكي المشبوب بالماضي، فتلوذ بعوالمه المنفصلة، متوهمة إحياء الدين في الواقع وإحياء الواقع في الدين، وهي في حقيقة الأمر تدمر الطرفين معا، تدمر الواقع حين تنفيه أو تتصور إمكانية نفيه بكل زخمه وإنجازاته وعثراته وتحدياته المستجدة، وتفر إلى واقع انتهى منذ قرون. وتدمر الدين حين تنفي عنه الحياة والقدرة على التواصل والاستمرارية، وأن يؤدي مهامه حين تختلف الأزمنة والأمكنة.

هكذا تنتهي منظومتهم إلى تدمير - أو على الأقل - استلاب الحياة والفاعلية من الدين والواقع على السواء، وهذه محصلة طبيعية، ما داموا ينطلقون من التسليم باغتراب الواقع عن الدين، واغتراب الدين عنه، كوضع منته، لا مخرج منه إلا بالنفي، نفي الواقع، بمعنى السلب أو اللا أو التكفير والهجرة، ونفي الدين إلى عوالم أخرى ماضوية، يتصورونها أكثر حضورا من أي حاضر، ولله في خلقه شئون!

والآن، ما العمل؟ كيف نخرج من ذينك الطرفين الدين/التراث، والواقع/الأزمة، ليس بما يدمر أحدهما أو كليهما، بل بالمركب الحضاري المنشود القادر على الاستيعاب والتجاوز؟

ليست الإجابة في تجفيف الينابيع، كما يرى دعاة سوق شيمون بيريز الشرق أوسطية التي يزعمون أنها ستأتينا بالمن والسلوى. الينابيع غير قابلة للتجفيف ولا التهميش، فنحن الأمة الوحيدة في العالم التي تتحدث نفس لغة نصوصها السماوية والمقدسة، واللغة ليست وعاء بل هي نسيج التفكير والوعي. الدين غريب ومغترب عن أوروبا، والحضارة الغربية أتاها من حضارة أخرى، من المشرق. الدين هو صلب خصوصيتنا وعماد هويتنا القومية ومكنون مخزوننا النفسي، بناؤنا القيمي، فحوى الأعراف ... باختصار لب أيديولوجيتنا، ولا حل لمشاكلنا بدون تغذية منابع الفكر الديني بكل ما نملك من زاد، لتتدفق فيها كل ما في شراييننا من دماء الحياة والبحث والتفكير والإنجاز، لنكون أقدر من أسلافنا في التعامل مع الثوابت: الكتاب والسنة، تعاملا اجتهاديا فتيا دافقا متجددا. بهذا فقط نملك واقعنا، ونعيش عصرنا بأن نجتهد ونبدع مثلهم وأكثر، لكي نسد حاجات عصرنا، مثلما سدوا هم حاجات عصرهم، فيكون التواصل الحقيقي معهم، واستمرارية تاريخنا صعوديا لا دائريا.

الفصل الرابع

| التفكير العلمي

والعلاقة بينه وبين الاستنارة الدينية

1

مهما تمخضت مسالك العلماء في النهاية - أو في تطبيقاتها - عن إنجازات تلغي الزمان والمكان، كالسفر بسرعة الصوت والتواصل بسرعة الضوء، وغزو الفضاء والذرة وتحويل مجاري الأنهار، اخضرار الصحاري، ومقاومة الأمراض، ومداواة العاهات الجسدية والنفسية والاجتماعية، تتابع أجيال الحاسوب، ثورة الهندسة الوراثية واستنساخ الكائنات الحية، مهما تحققت إنجازات تتضاءل بجوارها معجزات الأساطير، فسيظل المغزى الأعظم لمسلك العلماء أنه بلورة مستصفاة وتجسيد متعين لتعقيل السير نحو الهدف، لطريقة التفكير المثمرة السديدة الملتزمة بالواقع والوقائع، والتي تعرف باسم التفكير العلمي.

وكل لحظة تشهد بتصديق مستديم على أن التفكير العلمي هو أنجح وسيلة امتلكها الإنسان للسيطرة على واقعه. إنه السبيل إلى الظفر المبين في خضم عالم الواقع ومشكلاته.

لذلك نلاحظ أن التفكير الرياضي ينعت أساسا بأنه تفكير منطقي، أما التفكير العلمي بألف ولام التعريف، فهو أسلوب التفكير المتعين والمتجسد في العلوم التجريبية؛ أي العلوم الإخبارية التي هي منظومة متوالية من الأبحاث الممنهجة، تنتج وتعيد إنتاج وتصوب وتنقح وتدقق وتعمم ... المعرفة التي تضطلع بالوصف والتفسير والتنبؤ ثم السيطرة على ظواهر العالم الواقعي المعاش والمشترك بين الذوات أجمعين. هذا العالم الواقعي المعاش هو المعامل الأولي للحضارة، ولمجرد حضور الإنسان في هذا الكون، لكن تتوالى في إثره سائر الأبعاد والخصوصيات والعموميات والآفاق الحضارية.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢٦