تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينفعنا الآن أبو المنهج التجريبي فرنسيس بيكون (1561-1626) فقبل أن يعرض للمنهج يبدأ بالتحذير من أربعة أنواع من الأخطاء، أو الضلالات المتربصة بالعقل البشري لتحول بينه وبين سلامة الاستدلال المنهجي، أسماها بيكون «الأوثان الأربعة». النوع الرابع «أوثان المسرح» النابعة من الافتنان بممثلي أو أعلام الفكر السابقين، وكما ينبهر متفرج المسرح ببراعة الممثل في تجسيد الدور (أو براعة المفكر في تجسيد روح عصره ومتطلباته) ينسى المتفرج واقعه ومشكلاته، يتألم لمآسي الممثل ويفرح لظفره بالمحبوبة، حتى وإن كان بين المتفرج ومحبوبته فراسخ وأميال!

كذلك تعيش الجماعات المتطرفة في واقع تلك المصنفات التراثية، التي كانت نتاجا أو استجابة لظروف حضارية انتهت منذ قرون عديدة، ملغين ظروفنا وواقعنا، ولا يلتفتون إلى أن فتاوى ابن تيمية لمواجهة المغول لا تصلح لمواجهة أمريكا ومجلس الأمن، وأن معالم سيد قطب كانت على طريق الاصطدام مع التجربة الناصرية الاشتراكية التي أضحت الآن أثرا بعد عين.

من هنا يتصاعد الشرر، من المطابقة بين الدين والتراث، بين العقائد من ناحية ونواتج الجهد البشري في مرحلة تاريخية معينة، من ناحية أخرى فيريدون صياغة الحاضر على غرار الماضي، من حيث المحتوى المعرفي والمفاهيم، حتى تفصيليات الأنماط السلوكية. تنشغل إسرائيل بالأسلحة النووية والقنابل الذكية، وينشغلون هم بالشهب والحراب على من حرم النقاب، متصاغرين متخاذلين في التحدي الحقيقي أمام الآخر الغربي الذي نزع النقاب عن المادة ليكشف الذرة، ثم نزع النقاب عن الذرة ليكشف الجسيمات، ثم نزع النقاب عن الجسيمات الذرية ليكشف - أخيرا - الكواركات، ولا يكتفي أبدا. أي النقابين الانشغال به الآن عند الله وعند عباده خير وأبقى! فالمطابقة الخاطئة بين الإسلام وتراثه تضر الإسلام قبل سواه؛ لأنها تفرض فيه تحجرا عند مرحلة تاريخية أسبق، تحجرا زائفا لا يوجد إلا في عقولهم. فالدين رسالة، مسئولية أبت أن تحملها السموات والأرض وحملها الإنسان، إنه إيجابية؛ أي عمران ونماء وتطور.

بهذا المفهوم المتحجر للدين يصرون على أن التراث حاضر اليوم وفاعل، استمرارا للماضي في الحاضر، والزمان يسجل لحظات كمية لا كيفية فيها. هذه رومانتيكية صريحة (الرومانتيكية عادة تضرج في الدماء لأسباب مختلفة) رومانتيكية اللياذ بالعوالم الذاتية المنفصلة عن العالم الموضوعي المشترك، رومانتيكية العجز عن الفكر الخلاق والفعل الإيجابي، رومانتيكية التضاد مع العقلانية. من هنا كانت ضد التنوير، بل هي الإظلام بعينه؛ الإظلام هو تغييب الواقع. وبهذا يشحذون سلاح الخصم، فلن يعود الدين - كما يقول أعداؤه - أفيونا للشعوب لأنه مخدر لها بأفكار أخروية فحسب، بل أيضا لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن، إلغاء للزمان ونفي فكرة التقدم، مخالفين صحيح السنة، حيث اعتبر الرسول عودة ساكن الحضر إلى البداوة والعيش مع الأعراب (ارتداد على العقبين) كبيرة من الكبائر صاحبها كالمرتد. كيف ولماذا ينفون التقدم الحضاري؟

بل إنهم يفعلون بالتقدم ما هو أكثر من النفي، إذ يعكسونه، يجعلونه قهقريا بالعود إلى الوراء، مستندين إلى فهم تعسفي أو تحجري للحديث الشريف: «خير القرون قرني ...» ملغين مفهوم المثل الأعلى، ومنكرين أن الحضارة مسار تراكمي. إنهم يفضلون القرون الأربعة الأولى. وكلما سرنا قدما مع التاريخ سرنا مع انهيار تدريجي متوال لتلك الذروة التقدمية، ليكون عصرنا أدنى درجات الانهيار، وكل عصر آت درجة أدنى، ما لم يحدث التقدم القهقري بالرجوع إلى الوراء واللحاق المستحيل بعصر ولى وفات.

من هنا كانت «الماضوية» محورهم. إنهم يعتبرون اللحظة الماضية منطلق الحلول للحاضر والمستقبل، فيكون الماضي هو الفاعل الوحيد، المبتدأ والخبر. مرة أخرى يضرون الإسلام قبل سواه؛ لأن الماضوية التي ترفض الحاضر والمستقبل تقف في مربع واحد مع الأسطورية التي تعلو على التاريخ، ولا تعترف بالزمان أو بأبعاد المكان. أهذا ما ينشدون؟ ألهذا يغمضون العيون ويصمون الآذان عن كل متغيرات؟

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ٢٥