تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

54

لكن هل البقاء هنا أيضا للأصلح؟ لم يبين الخولي، فقد عني فقط بإبراز أهمية فكرة التطور في اللغة من حيث هي لغة، حتى جاهر بأمله في أن ينتفع من درسه هذا المعنيون بالدراسات اللغوية غير العربية.

لا بد من التسليم بأن التطور سنة طبيعية خضعت لها العربية في كل شيء، أصواتها وحروفها وكلمها وجملها وأسلوبها وبيانها ... فلم تظهر العربية - كما يقول الخولي - خلقا سويا مستقلا، بل تغيرت وتحولت، إن لم نقل - عن رأيهم - تطورت - بمعنى التطور عندنا اليوم. ولم يكن هذا التغير في زمن قصير، بل في زمن هو تاريخ ترقي البشرية وتكملها إلى أن تهيأت للرسالة الختامية الموحدة للإنسانية؛ أي من آدم إلى بعث محمد عليه السلام، وهذا التغيير غير طليق ولا متحرر، بل مقيد في كل حال.

55

الخولي في هذا ينفي سائر التفسيرات الغيبية اللاهوتية اللاعقلانية، التي تزعم أن العربية - دونا عن سائر لغات العالمين - هبطت فجأة من السماء بالغة الكمال، لتظل هكذا إلى قيام الساعة، وأيضا إلى ما بعدها. فأكد الخولي أن اللغة العربية خضعت لسائر ما خضعت له اللغات البشرية، نافيا أي أصل إلهي لها. وفي هذا يستند إلى الآية الكريمة:

وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (سورة إبراهيم آية 4). فليست العربية فقط، بل ثمة لغات أخرى نزل بها كلام الله ووحيه. وجد الخولي في رفض ودحض كل الدعاوى الانفعالية العاطفية التي تزعم «فضل العربية ... وكمال العربية ... وانتهاء العربية إلى ما لا شيء بعده!»

56

أمثال هذه الدعاوى الهوجاء هي التي تقذف بنا خارج دورة الزمان وصيرورة التقدم، من حيث تبتر أصول التطور والارتقاء. (10) أسانيد تأصيلية

ونعود إلى الفكر الديني وتجديده على أسس تطورية، لنجد الخولي قد وصل في هذا إلى حد تعداد الأسانيد التي تدعمه، أو بتعبيره تحديد «أسس التطور في الإسلام».

57

وأولا:

امتداد دعوة الإسلام أفقيا إلى الناس جميعا، ورأسيا مع توالي الأزمنة والأجيال. وهذا الاتساع الزماني المكاني يجعل مواجهة الإسلام للتغيرات لا مفر منها، فالبيئات المتغيرة لها حاجات متغيرة ومتطورة، والإسلام قادر دائما على سد حاجات كل عصر وكل أمة.

من هنا كان الاجتهاد أساس الحياة الإسلامية لمواجهة التغيرات، حتى قيل إن علم أصول الفقه ما هو إلا تدريب على الاجتهاد. واحترم الإسلام المحاولات الإنسانية لاستنباط حلول لمشكلاتهم العارضة، وكان لكل مجتهد نصيب. والاعتراف بحق الإنسان في تفسير وتدبير حياته، فقرر الرسول الكريم

صلى الله عليه وسلم

أن الناس أعلم بشئون دنياهم. وللتدبير الإسلامي توجهات عامة تهدف لخير الإنسان وصلاحه، وتتيح اختلافا بين الأئمة؛ رحمة بالأمة، وليس حسما لتفاصيل جزئية لتتكبل كل إمكانيات التغير والتطور.

وثانيا:

بينما تخوض العقائد البدائية والأديان الأخرى في تفصيليات غيبية وتوصيفات جزئية لقصة الخلق ووقائع حيوات الرسل، كانت أقوى الأسس التي تهيئ الإسلام للتطور المحتوم هي اقتصاد دعوته في الغيبيات واكتفاؤه بالإجمال العام فيما يجب الإيمان به، كالله والملائكة واليوم الآخر. هذا الوضوح واليسر في العقيدة لا يدع فرصة للصدام بينها وبين ما يستطيع الإنسان اكتشافه من قوانين الطبيعة، مما يجعل الإسلام أكثر من سواه مسايرة للتجديد والتطوير. ولم يذكر الإسلام في كتابه الكريم شيئا عن نشأة الحياة على سطح الأرض وأطوار الإنسان (وهذا العنصر محوري لبحثنا هذا ما دام ينطلق من تشغيل الخولي لخطوط نظرية التطور البيولوجية). وأخيرا عدم تورط الإسلام في تفاصيل تاريخ الأمم والرسل، فلا يعنى القرآن بتحديد مكان وزمان الحادث، اكتفاء بالدلالة العامة والدرس الحضاري المستفاد.

هذه الأسس تجعل الإسلام مسايرا لنظرية التطور، وللتطور ذاته في الحياة وفي العلوم، فلا مناوأة لقانون الوجود. يقول الخولي: «إذا ما شعر الإسلام أنه يستطيع أن يمضي مع أصحاب التاريخ دون تأزم، كما مضى مع أصحاب طبقات الأرض دون أزمة، وكما مضى مع أصحاب العلم الطبيعي دون ارتباك، فإنه ليستطيع أن يتقدم على تطور الحياة منطلقا مطمئنا.»

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديدص ١٦