47
على هذا النحو يتم الانتخاب الطبيعي بحيث يكون للكائن الحي ولإمكانياته الدور الأعظم في قصة التطور، والبقاء دائما للأصلح. إن التطور والارتقاء والتقدم واقع متحقق وإمكانية مفتوحة دوما لمن يملك العزم على خوض غمار الحياة.
هكذا تمثل نظرية التطور استقطابا لتينك القوتين: الجذب والدفع، لتخاطب بسهولة تشوفات الراغبين في الإصلاح، وتمثل في هذا الصدد أداة فعالة - أو كما أشار بوبر برنامج بحث ميتافيزيقي ممتاز - فتستطيع المدرسة العلمية العلمانية أن تفرض ذاتها على الواقع الثقافي وهي حاملة لواءها.
ولعل الخط الفاصل الذي جعل الشيوخ - بل وجمهرة المعنيين بالسلف - ترفضها بشدة وتحاربها بشراسة يائسة، تتمثل في أن النظرية قد تستغني عن فعل الخلق المستقل وتنقض الأيام الستة التي تم فيها. فقصة الحياة تشكلت عبر ملايين من السنوات، وليس يصعب استئصال تلك الزوائد الضارة، فعن أي يوم يتحدثون؟! يوم مقداره ألف عام مما تعدون. أم أكثر أم أقل؟ فضلا عن أن «أسلوب عمل الانتخاب الطبيعي يمكن من حيث المبدأ أن يظهر بمظهر أفعال الخالق وأغراضه.»
48
وكما أشار الخولي؛ قرر لامارك أن الله هو الذي خلق الأصل وجعل فيه هذه القابلية للتطور. وقال دارون إن وجودها يستبعد المصادفة العمياء ويستلزم قوة عجيبة مدبرة، وأكد توماس هكسلي
T. Huxley (+ 1895) استحالة نقض الألوهية بمقتضى هذا المذهب.
49
بصفة عامة، لم يأل الخولي جهدا في استئصال تلك الزوائد الضارة.
ثم يقول: «القرآن يقرر في إجمال تام خلق الناس من تراب، أو طين، وخلقهم أطوارا دون أن يذكر في ذلك تفصيلا، فإن كنا ولا بد ملتمسين التفصيل فخير لنا وأعقل أن نلتمسه من سنن علمية تثبت إطرادها وسريانها فيما مضى وفيما هو أت، فتفصيلها لإجمال القرآن أكرم وأهدى من التصور السطحي الساذج الذي يجعل الخلق جبلا للتراب بالماء وتسوية جسم كعرائس الأطفال، تدخله الروح من رجليه، وما إلى ذلك من تفاهة تضيع ما في هذا الكون من روعة وعظمة.»
50
أما عن الخلق المستقل لكل نوع من الأحياء في ستة أيام وراحة الخالق في اليوم السابع، فتفاصيل مذكورة فقط في سفر التكوين من التوراة، ولم يرد لها ذكر في القرآن. لذا يخلص الخولي إلى أن النزاع المفتعل بين الإسلام ونظرية التطور لا يأتي إلا من دجل الإسرائيليات المدخولة.
هكذا ينصرف الخولي عن الخوض في مسائل خلافية لا تجدي فتيلا، ليستقطر - ببراعة - إمكانيات نظرية التطور التي تجعل من غير الممكن ولا المجدي إغفالها في أية ثقافة معاصرة، فضلا عن أن تكون تحديثية تجديدية. (9) التطور في اللغة أيضا ... وقبلا
وما دام التطور متجذرا في فكر الخولي وتجديده، كان من الطبيعي أن يتوغل في تناوله التجديدي لقضايا اللغة العربية ونحوها وبلاغتها،
51
والتي لا تنفصل طبعا عن تجديد الفكر الإسلامي. وهما دائما قطبان متعامدان، اللغة وسيلة إثبات وجودنا، والدين وسيلة تقويم هذا الوجود واتخاذ هدف له. كما أن تجديد الفقه مقدمة لتجديد النحو؛ لأن أصول النحو قائمة على الفقه عند القدماء.
52
أما البلاغة فهي فن القول وجماله، وعلم التفريق بين الجيد والرديء منه، ودراسة البلاغة لإعجاز القرآن دراسة للون خاص معياري من القول الجيد.
على أية حال، كان الدرس اللغوي هم الخولي الأساسي، والحلبة الأولى لنضاله من أجل الاجتهاد والتجديد وتأثيم التقليد، مستندا على أصل عريق هو إجماع النحاة القدامى على ذم التقليد. وحتى في عصور الانحطاط أغلق الفقهاء باب الاجتهاد، ولم يفعل النحاة مثلهم
53
ورأوا الاجتهاد قائما في كل آن ومكان، وإلا عجزنا عن ضبط وتفهم ما نقوله.
وفي هذا نجد سنة النشوء والارتقاء قائمة في اللغات أيضا، والتفسير التطوري للغة مفتاح من مفاتيحها، فالبيئة الطبيعية المادية التي تعيش فيها اللغة، والظروف النفسية والعقلية لمتكلميها، وأنماط الحياة التي يحيونها وتوارثها بين الأجيال ... كل هذا وغيره من عوامل يصعب حصرها، يؤثر في تطور اللغة، بل ويمكن القول إن ثمة صراعا بين اللغات نفسها، كما بين الأفراد والجماعات.