وأما البارجة تمرير خامسة بوارج هذا الأسطول فقد نشبت في مكانها (شحطت) أثناء المناورة التي كانت تقوم بها لتتخذ الوضع الذي رسم لها خارج البوغاز، ولكنها واصلت الضرب وهي في المكان الذي نشبت فيه، وجاءت السفينة كندور لإنقاذها فعومتها بدون أن ينالها أي ضرر.
وقد كانت هذه البوارج الثلاث تقاتل وتكافح من بدء القتال في الساعة السابعة إلى منتصف الساعة الحادية عشرة وهي متنقلة وعلى بعد 1500 ياردة حسب تعليمات الأميرال، وقاومتها الحصون مقاومة فاقت ما كان يظنه الإنكليز، وأبدى جنود مدفعيتها في إطلاق هذه المدافع مهارة لم يكونوا يتوقعونها منهم، فألقت هذه البوارج مراسيها عند منتصف الساعة الحادية عشرة؛ لأنها رأت ضربها غير محكم وهي متنقلة. وبذلك حصلت على المسافة المضبوطة التي تفصلها من الحصون، وأخذ ضربها لها ابتداء من هذا الوقت يزداد أثره.
وبانضمام البارجتين إنفلكسيبل وتمرير إلى هذه البوارج الثلاث أمكنها إسكات حصون رأس التين والفنار والاسبتالية في منتصف الساعة الواحدة بعد الظهر. غير أن مدفعا واحدا من مدافع حصن الاسبتالية لم يسكت ولم ينقطع عن الضرب إلا في الساعة الخامسة مساء. وقد أصابت قنابل هذه البوارج سراي الحريم بقصر رأس التين فالتهمتها النيران في الساعة العاشرة مساء.
قال القومندان جودريتش إن جنود المدفعية المصرية جاوبوا نيران الأسطول الإنكليزي الجهنمية مجاوبة مدهشة لم تكن منتظرة بتاتا، وأظهروا بسالة عجيبة رغم التفاوت الجسيم الذي بينهم وبين الإنكليز من ناحيتي عدد المدافع وعيارها.
ولقد كانت البارجة إنفلكسيبل عندما تطلق مقذوفاتها التي تزن القذيفة منها 1700 رطل على حصن الفنار وتصطدم بساتره تثير النقع والغبار والشظايا إلى ارتفاع الفنار نفسه. ويتخيل المرء عندما يرى ذلك أن ليس في استطاعة أحد من البشر أن يعيش تحت هذه النيران ولكن عندما ينقشع العثير بعد بضع دقائق يرى جنود المدفعية المصرية في مواقفهم يطلقون القنابل على خصمهم الرهيب. ا.ه.
وعقب منتصف الساعة الواحدة بعد الظهر عندما أسكتت مدافع المدرعات الثلاث سلطان، وسوبرب، وألكسندرا مدافع الحصون الثلاثة المذكورة، اتجهت نحو حصن الأطة، ويظهر أنها كانت تعتقد أن قوتها لا تكفي للتغلب عليه؛ ولذلك طلبت من المدرعتين إنفلكسيبل وتمرير أن تأتيا لمشاركتها في ضربه، فصوبت هذه المدرعات الخمس نيرانها دفعة واحدة إلى هذا الحصن المنكود الذي دافع عن نفسه دفاعا عجيبا أمام غارة البوارج الخمس التي هي أقوى سفن الأسطول الإنجليزي. وسلك قائد هذا الحصن - الذي لم أوفق لسوء الحظ إلى معرفة اسمه - في قيادته سلوكا باهرا غاية في البسالة والإقدام. وقد شهد له بذلك شاهد العيان الكابتن وولتر جودسول
Walter Goodsall
قومندان الباخرة تشلترن
Chiltern
إحدى سفن شركة التلغراف الشرقية، الإسترن تلجراف
Eastern Télégraphe Cie
الذي كان حاضرا هذه الواقعة في ذلك اليوم. وهذا ما قاله:
لقد عجبت من هذه البطولة التي لا يمكنني أن أدرك كنه كيفيتها، والتي كانت تتحلى بها الجنود الذين يطلقون مدافع حصن الأطة، كما عجبت أشد العجب من الموقف الذي وقفه قائد هذا الحصن قرب سارية علمه وهو بمفرده والمنظار في يده ينظر منه الأثر الذي أحدثته المقذوفات التي كانت تنطلق.
لقد كان حقا رجلا شجاعا مزدريا عدد المقذوفات التي كانت تلقى على حصنه، ذلك الحصن الذي كان يجاوب هذه المقذوفات بإطلاق مقذوفاته كلما مرت عشر دقائق. ثم رفعت البارجة إنفلكسيبل مرساتها وشرعت تصوب قنابل مدافعها الضخمة إلى هذا الحصن، ويظهر أنها دكت أسسه ودمرته تدميرا. وفي منتصف الساعة الثانية بعد الظهر سددت قنبلة إلى مستودع باروده، ولا بد أنها أصابته ودخلت فيه؛ لأنه انفجر في منتصف الساعة الثالثة ونصف، ولا بد أيضا أنه قتل جنود كثيرون في هذا الحصن؛ لأن عددا كبيرا منهم طار في الفضاء، والضابط الذي كان واقفا فيه وقفة الأسد في عرينه طار في الهواء هو وسارية علمه. ا.ه.