وهناك رواية أخرى عن هذا الاجتماع رواها مسيو بيوفيس
Biovés
في الصفحة 150 من كتابه (الفرنسيون والإنكليز في مصر
Français et Anglais en Egypt ) وهذه الرواية لم أنقلها هنا إلا بعد أن تحققت من مطالعة هذا الكتاب أنه من أحسن الكتب التي سطرت عن هذه المأساة المحزنة، وأن مؤلفه كان مسموحا له بالاطلاع على جميع المستندات الرسمية لذلك الحادث المشؤم، وفوق هذا فإن معلوماته مستقاة من مصادر صحيحة معتبرة. وإليك ما قاله في هذا الصدد:
لقد كان الخديو توفيق يرغب في عقد اتفاقية صلح شريفة بينه وبين الإنكليز، ولكن هذا المطمح أثار غضب المشير (درويش باشا) الذي ضرب المائدة بقبضة يده وصاح قائلا: لا تنسوا أنكم جميعا عبيد السلطان الذي مقره بالآستانة، وليس هنا محل للمداولة، وتسليم الحصون المصرية أمر يكسو المسلمين ثوب الخزي والعار. ا.ه.
أما أنا شخصيا فأرجح أن درويش باشا كان معارضا لطلب الأميرال سيمور كما يستفاد من منطوق الخطاب السالف الذكر الذي بعث به إلى مستر كارترايت.
21
ومهما يكن من بين هذه الروايات من التناقض، فقد تقرر بعد المناقشة إبلاغ الأميرال في 10 يوليه سنة 1882 القرار التالي ردا على إنذاره:
لم تعمل مصر شيئا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل السلطة المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوغ مطالب الأميرال إلا بعض إصلاحات اضطرارية في أبنية قديمة. والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند وصول الأساطيل. ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا بل من الواجب علينا أن نتخذ عدتنا ضد كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول الحكومة الإنكليزية إنها باقية بيننا.
ومصر الحريصة على حقوقها الساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها لا تستطيع أن تسلم أي مدفع ولا أية طابية دون أن تكره على ذلك بحكم السلاح.
فهي لذلك تحتج على بلاغكم الذي وجهتموه اليوم وتوقع مسئوليات جميع النتائج المباشرة وغير المباشرة التي تنجم إما عن هجوم الأساطيل أو عن إطلاق المدافع على الأمة التي تقذف في وسط السلام القنبلة الأولى على الإسكندرية المدينة الهادئة، مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين الحرب. ا.ه.
22
وأيضا نقرر من باب المسألة قبول إنزال ثلاثة مدافع يختارها الأميرال، وإذا أبى وأصر تلقى عليه مسئولية التعدي وذلك بعدم المجاوبة إلا بعد إطلاق القنبلة الخامسة. وقد بلغ راغب باشا الأميرال سيمور ذلك بالخطاب الآتي:
الإسكندرية في 10 يوليه سنة 1882
حضرة الأميرال
طبقا لما سبق أن وعدتكم به في أثناء المحادثة التي دارت بيني وبينكم هذا الصباح، رفعت لسمو الخديو في اجتماع حافل بالنظار وكبار موظفي الحكومة الشروط المدونة في الخطاب الذي تكرمتم بإرساله إلى قومندان الإسكندرية في بكرة هذا النهار، وذكرتم فيه أنكم نويتم تنفيذ أغراضكم المبينة بخطابكم إليه يوم 6 من الشهر الحالي في فجر الغد (11 الجاري)، وذلك إذا لم تسلم لكم مؤقتا البطاريات القائمة على برزخ رأس التين وساحل ميناء الإسكندرية الجنوبي لتجريدها من السلاح قبل هذه المهلة.
وإني لآسف يا حضرة الأميرال أن أعلمكم بأن حكومة سموه تعتبر هذا الطلب غير مقبول، وإنها لا ترغب قط في تكدير صفو العلاقات بينها وبين بريطانيا العظمى، ولكنها لا تستطيع أن تعترف بأنها اتخذت أي تدبير يمكن أن يعتبر تهديدا للأسطول الإنكليزي، سواء أكان ذلك من جهة إقامة أعمال في الحصون أم من ناحية تركيب مدافع بها أو استعدادات حربية.
ومع ذلك فنحن مستعدون أن ننزل ثلاثة مدافع من البطاريات التي أومأتم إليها؛ لنبرهن لكم على أميالنا السلمية ورغبتنا في تلبية طلبكم على قدر الإمكان.
وإذا كنتم تصرون رغم هذه التقدمة على إطلاق النار فالحكومة المصرية تحفظ لنفسها الحق، وتلقي مسئولية هذا العمل العدائي على عاتقكم.