الظاهر أن تحصين مدينة الإسكندرية في حكم سعيد باشا بقي على ما كان عليه في حكم سلفه عباس الأول. (8) الحصون في حكم الخديو إسماعيل
عزز الخديو إسماعيل هذه المدينة بمدافع أحدث طرازا من التي كانت بها حتى يجاري بذلك روح العصر الذي كان فيه؛ لأن مدافع عصر محمد علي لم يكن بينها النوع المعروف بالششخانة الذي تحقق تفوقه على النوع القديم، فكان من اللازم التفكير في تسليح هذه الحصون بهذا النوع ما دام القصد من هذا التسليح ضمان سلامتها من غارة أجنبية.
لذلك ابتاع الخديو إسماعيل من إنجلترا فيما بين سنة 1869 وسنة 1873م 200 مدفع من طراز أرمسترونج عيار 7 بوصات، ووزن 7 أطنان وعيار 8 بوصات ووزن 9 أطنان وعيار 9 بوصات ووزن 12 طنا، وعيار 10 بوصات ووزن 18 طنا، وهذه المدافع تعمر من الأمام. وابتاع أيضا أربعة مدافع عيار 40 رطلا من الطراز عينه، ولكنها تعمر من الخلف، ونصب من هذه المدافع في حصون مدينة الإسكندرية الأربعة المدافع الأخيرة و46 مدفعا من المدافع الأولى، والباقي من المائتي مدفع نصبه في بقية حصون سواحل مصر حتى بورسعيد.
ووقت تركيب هذه المدافع الحديثة نزع بعض المدافع القديمة، وكانت التي نزعت بالضرورة غير صالحة للاستعمال، ولكن قواعدها استخدمت مداور للمدافع الحديثة.
| موازنة بين هذه الحصون والأسطول البريطاني
(1) الحصون
إن ساحل مدينة الإسكندرية سهل منبسط ليس به هضاب ولا جبال اللهم إلا بعض التلول المصنوعة، وهو لهذا السبب الطبيعي لا يصلح لإقامة حصون عليه تدفع عن هذه المدينة شر القنابل الحديثة، سواء التي اخترعت في أيامنا هذه والتي كانت في 1882م وقت أن ضربها الأسطول الإنكليزي الذي كان مزودا بمدافع أقوى من مدافع هذه الحصون.
وكان حصن أم قبيبة هو الحصن الوحيد المقام على تل مرتفع عن الأرض، وكانت حصون الإسكندرية في سنة 1882م هي ذات الحصون التي كانت في عهد محمد علي مع فرق بسيط، وهو أنه لما سلحها الخديو إسماعيل بمدافع من طراز أرمسترونج رفع ستائرها وزاد في سمكها وفتح فيها كوات جديدة تتناسب مع هذا التسليح الجديد، ولكن كل المدافع كانت منصوبة في العراء بدون أن يعلوها أي وقاية تقي العساكر الذين يطلقونها، وقد يجوز أن يكون نصبها بهذه الكيفية أخف ضررا لو كانت هذه الحصون شيدت فوق مرتفعات؛ لأن علوها حينئذ بالنسبة للضلع التي تضطر السفن الحربية أن تصوب منها مدافعها يمكن أن يتخذ وقاية كافية لحماية جنودها من أذى القنابل، ولكن نظرا لأن كل هذه الحصون تقريبا كانت قائمة على أرض منخفضة نشأ من ذلك أضرار بالغة لرجال مدفعيتها الذين كانوا عرضة لنار مدافع السفن، وبالأخص لمدافع السربند المنصوبة على السواري والتي بواسطتها في هذه الحالة يمكن إسكات مدافع هذه الحصون بقتل جنودها وبغير حاجة إلى إتلاف هذه المدافع.
والحصن الوحيد الذي يمكن استثناؤه من هذه الحالة هو حصن قايتباي الذي كان في طبقته السفلى المسقوفة مدفعية مستورة بطبقته العليا، ولكن حيطانه لم تكن من المتانة بحالة تستطيع معها الاستهداف لمدافع هذا الأسطول، فقتلت وجرحت الشظايا التي كانت تتطاير منها كثيرا من الجنود، فضلا عما أحدثته من الضحايا والتلف للأهالي والمساكن، حتى لقد قال القائد جودريتش
Goodrich
أحد قواد أمريكا الحربيين في تقريره ص48: إن هذه الحرب لم تكن إلا دهليزا إلى مهاوي الموت السحيقة.
وقد كان هذا القائد على ظهر السفينة الحربية لانكاستر
Lancaster
وقت ضرب الإسكندرية، وشاهد هذه الموقعة وعاين هذه الحصون بنفسه بعد الضرب، وتتبع خطوات الجيش الإنكليزي في جميع حركاته العسكرية من أولها إلى ما بعد واقعة التل الكبير، وقدم تقريرا مفصلا لحكومته بكل ما عاينه ورآه، ومن هذا التقرير استقيت معظم معلوماتي.