وكما ينقص العالم الإسلامي الاجتهاد والعلم فإن العالم الأوروبي ينقصه القلب أو بعبارة أخرى الروح.
وقد ألف الأستاذ چود أستاذ الفلسفة الإنجليزي كتابا قيما، سماه «سخافات المدنية الحديثة»، قال فيه: «إن المدنية الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق؛ فالأخلاق متأخرة جدا عن العلم، ومنذ النهضة ظل العلم في ارتقاء والأخلاق في انحطاط حتى بعدت المسافة بينهما. وبينما يتراءى الجيل الجديد للناظر فتعجبه خوارقه الصناعية، وتسخيره المادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه إذا هو لا يمتاز في أخلاقه، في شرهه وطمعه، وفي طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه عن غيره، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة إذا هو لا يدري كيف يعيش، وتوالي الحروب الفظيعة الهائلة دليل على إفلاسه، وأنه يربي نشأة لتموت. وقد خولت له العلوم الطبيعية قوة قاهرة، ولكنه لم يحسن استعمالها؛ فكان كطفل صغير، أو سفيه، أو مجنون يملكون زمام الأمور، ويؤتون مفاتيح الخزائن، فهم لا يزيدون عن أن يلعبوا بما فيها من جواهر.»
وقال في موضع آخر: «إن فيلسوفا هنديا سمعني أطري حضارتنا، وأقول إن أحد سائقي السيارات قطع ثلاثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة واحدة على الرمال، وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في عشرين أو خمسين ساعة فقال ذلك الفيلسوف الهندي: إنكم تستطيعون أن تطيروا في الهواء كالطير، وأن تسبحوا في الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض.»
وقال في موضع ثالث من هذا الكتاب: «انظر إلى الطيارة التي تحلق في السماء، يخيل إليك أن صانعيها في علمهم ولباقتهم فوق البشر، والذين طاروا عليها أولا كانوا في علو عزمهم وجرأتهم أبطالا، ولكن انظر الآن إلى المقاصد السيئة التي استخدمت لها الطيارة وتستعمل لها في المستقبل ... إنما هي قذف قنابل وخصوصا الذرية، وتمزيق جثث الإنسان، وخنق الأحياء، وإحراق الأجساد، وإلقاء الغازات السامة، وتقطيع المستضعفين الذين لا عاصم لهم من هذا الشر إربا إربا. وهذه إما مقاصد الحمقى أو مقاصد الشياطين.»
وقال في موضع رابع: «ماذا سيقول المؤرخ غدا إذا وصف كيف كنا نستعمل الذهب. سيذكر أننا توصلنا إلى أن نخبر عن الذهب باللاسلكي، وسيصف الصور التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدونه في لباقة ومهارة، وكيف تحدينا قانون الجاذبية في نقله من عاصمة إلى عاصمة، وسيسجل أن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وفي غاية الجرأة في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي كان يتطلبه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح، وكانوا لا يعنون إلا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة، وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب أفريقيا ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس.»
إن أهل الغرب الذين فقدوا قلوبهم قد مقتوا الحضارة، وأصبحوا يتبرمون بها؛ لأنها خلقت في كل ناحية مشاكل وأحقادا، لا يطفئون إحداها إلا إذا ظهرت أخرى أعقد منها، ولا يقطعون فرعا إلا وتطلع فروع كثيرة ذات أشواك. فلا الحضارة الإسلامية في شكلها الحاضر نافعة للعالم ولا الحضارة الأوروبية. إنما يرشد العالم يوم يتخلى كل عن معايبه ويقتبس من الآخر فضائله، فيحيي الغربيون قلبهم من الشرق، ويستعير الشرقيون العلم من الغرب، وحينئذ يتعادل العقل والقلب، وإلا فسيظل العالم مائجا مضطربا يقع كل يوم في مشاكل جديدة، ويعالج الداء بالداء، ويستغيث من مصائب الرأسمالية لينغمس في الشيوعية، ويستغيث من مصائب الدكتاتورية فيقع في مشاكل الديموقراطية، وهكذا لا ينتهي من شر إلا إلى شر، ولا من فساد إلا إلى فساد.
إن في الناس حاسة دينية لا يسعدون إلا باستعمالها فإذا فقدوها كانوا كمن فقد السمع أو البصر.
وإن المتفائل يسر من تطور العالم إلى هذه الغاية المنشودة، فيجد العالم الإسلامي وخصوصا مصر تخطو خطوات موفقة نحو العلم الأوروبي، وأوروبا التي كانت كافرة وطاعنة في الدين تقبل على الدين، وهذان الاتجاهان يبشران بالخير! إنه إذا كان ذلك لم يكن العالم قسمين: غرب يستعمر الشرق ويستذله، وشرق يستعمر ويستذل، بل يكون العالم كله وحدة يبني شرقه مع غربه، ويتعاون كل أبنائه، ويستغل كل ما عند الآخر من المواد الخامة.