تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومصدر هذا الشعور بالحاجة إلى إصلاح واحد وهو التغير الذي حدث في الإسلام عندما اكتسحت أهله الأفكار العصرية والحضارة الإفرنجية، ولا يمنع هذا أن يكون الشعور راجعا لعاطفة الخوف والحذر من الحضارة الغربية، أو التوفيق بين مبادئ الإسلام والمدنية الغربية، وكلاهما يؤدي إلى غاية واحدة وهي جعل الإسلام متمشيا مع الأفكار العصرية.»

وختم كلمته بقوله: «إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه إياها ظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد رمز لمشكلة من المشاكل الكبرى؛ فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، وفارس مثال للانحلال، وجزيرة العرب مثال للرقود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاح، والصين مثال للإهمال، وجاوه مثال للتغير والانقلاب، والهند مركز للاحتكاك الإسلامي ، وأفريقيا الوسطى مكان للخطر الإسلامي، وعلى كل فالإسلام يحتاج قبل كل شيء إلى المسيح.»

ومن المؤسف حقا أن الحاجة إلى الجامعة الإسلامية اليوم لا تزال كما كانت بل أشد مما كانت؛ لأن المسلمين لا يزالون متفرقين رغم توالي الضربات عليهم، ورغم اتحاد السياسة الأوروبية ضدهم، ومع محاولة أوروبا خنقهم. وقد قال أحد الأوروبيين: «إن هذه النهضة الإسلامية حاولت الاتفاق مع البوذيين ومع الصينيين، ولم يبق أمامها إلا عدو واحد هو أوروبا، أي أن الشرق ناهض، وعلى الغرب أن يستعد لمقابلته في ساحة العراك، وأمام أوروبا اليوم مسألة هامة، هي هذه الجامعة الإسلامية ... أليس من الحكمة أن تدبر ضربة قوية قاضية تخمد هذه الحركة الإسلامية ... أما رأيي أنا؛ فهو: اقطفوا البرعم قبل أن يزهر فيثمر.» وهذا كان تعبيرا صادقا لما في نفس كل أوروبي.

والحوادث الأخيرة ترجح هذا، وهو أن تفوق الصين الشيوعية على الأمريكيين في حرب كوريا، واتفاقهم مع روسيا، واتفاق الهند معهم، وميول بعض المسلمين إليهم تجعل من المحتمل القريب أن يكون الشرق - مع توسع في معناه حتى تدخل فيه روسيا واليابان - سيقف كتلة واحدة ضد الغرب، وستكون مناداته إذا انتصر آسيا للأسيويين لا للأوروبيين، وفي هذه الحالة تنطوي الأمور، وتنبعث النهضة من الشرق بعد أن انبعثت من الغرب، ويشهد العالم صراعا جديدا ومدنية جديدة ... والعلم عند الله.

وكما ينقص العالم الإسلامي الاجتهاد ينقصه بناء الحياة على العلم؛ فهو يبني حياته الزراعية على نفس الطريقة التي كان يتبعها آباؤه في العصور القديمة، ويبني حياته الزراعية على نفس الطريقة التي كان يتبعها آباؤه في العصور الوسطى، فإن شذ أفراد فساروا في حياتهم الزراعية والتجارية والتربوية على العلم فشيء نادر لا يعول عليه، ولا يمكن أن ينهض العالم الإسلامي إلا إذا أسس حياته عامة على العلم.

قال الأستاذ رينان الفيلسوف الفرنسي المعروف: إنني أخشى أن يثبت الدين الإسلامي وحده في وجه هذا التسامح العام في العقائد، ولكنني عرفت أن في نفوس بعض الرجال المتمسكين بآداب الدين الإسلامي القديمة، وفي بضعة من رجال الآستانة وبلاد الفرس جراثيم جيدة تدل على فكر واسع وعقل ميال للمسالمة، إلا أنني أخشى أن تختنق هذه الجراثيم بتعصب بعض الفقهاء، فإذا اختنقت قضي على الدين الإسلامي؛ ذلك لأنه من الثابت الآن أمران؛ الأول: أن التمدن الحديث لا يريد إماتة الأديان بالمرة؛ لأنها تصلح أن تكون وسيلة إليه. والثاني: أنه لا يطيق أن تكون الأديان عثرة في سبيله، فعلى هذه الأديان أن تسالم وتلين، وإلا كان موتها «ضربة لازب». وما أظن أن لتخوف الأستاذ رينان محلا من الدين الإسلامي، وقد عهدنا أنه أوسع الأديان صدرا، وأقبلها للمدنية الحديثة.

نعم، إن كل محاولة للتوفيق بين الإسلام والمدنية الحديثة قد فشلت إلى اليوم، ولكن فشلها لا يعود إلى تعاليم الإسلام نفسه، بل إلى أسباب أخرى؛ أهمها: أن المدنية الحديثة تقدمت إليهم أول ما تقدمت بالسيف والنار، لا بالإقناع والإحساس بالمنفعة، ثم إن المدنية هذه تقدمت وهي تحمل في إحدى يديها المخترعات الحديثة، ونتاجها في العلوم والفنون، وفي الأخرى وسائل الاستغلال والاستعمار، فلذلك قبلها المسلمون كارهين مكرهين، ولو تقدمت إليهم على غير هذا الوجه لقبلوها قبولا حسنا كما قبلوا المدنية اليونانية والفارسية والتركية من قبل، والثالث: أنها جاءتهم على يد النصارى المتعصبين الذين اكتووا بنارهم من أيام الحروب الصليبية إلى اليوم، والرابع: أن المسلمين لضعفهم أصابهم ما يسمى في علم النفس بمركب النقص فقبلوها ضعفاء متهافتين، ينظرون إليها على أنهم ضعفاء مغلوبون على أمرهم لا حيلة لهم في رفضهم، ومع ذلك فقبولهم للأشياء المادية من المخترعات الحديثة كان أسهل عليهم من قبولهم للمعاني، وإن أخذوا من كل بحظ.

يوم الإسلام · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧٩