وفرق كبير بين العقيدة في القضاء والقدر وبين الجبر، فالقضاء والقدر الصحيحان يؤمنان بربط الأسباب بمسبباتها، ويحملان صاحبهما على العمل، ثم لتكن النتيجة بعد ما تكون، وعلى هذه العقيدة كان أكبر الشجعان الفاتحين من أمثال خالد بن الوليد وتيمورلنك والإسكندر ونحوهم، لا يهابون الموت؛ اعتمادا على أن ما قدر يكون. أما الجبر فيرى الإنسان كالريشة في مهب الريح، وما قدر لا بد أن يكون عمل الإنسان أو لم يعمل، تشجع أو لم يتشجع، وهذه العقيدة على هذا النحو دخيلة على الإسلام مما جعل كثيرا من الأوروبيين يجعلون من عيوب الإسلام العقيدة في القضاء والقدر، والتوكل على الله، ولو أنصفوا لعدوها بحالتها الحاضرة من عيوب المسلمين لا من عيوب الإسلام. •••
وخطا الإسلام في الرق خطوة واسعة؛ فهو لم يجزه إلا لمن يؤسر في حرب شرعية، أما اختطاف الولدان والبنات بشن الغارات على القبائل واتخاذهم عبيدا فعمل جاهلي لم يجزه الإسلام، وقد سوى الإسلام بين ذوي الألوان المختلفة سودا وبيضا؛ فقال الرسول: «ليس لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح.» وقرر للأرقاء الحقوق التي للأحرار، بل جعل للرقيق مزايا ليست للأحرار بإعفاء الأرقاء من نصف العقوبات التي يحكم بها على الأحرار، وجعل العتق واجبا في كفارة اليمين، وكفارة الفطر في رمضان إلى غير ذلك، وأوجب على المسلمين حسن معاملة الأرقاء، قال
صلى الله عليه وسلم «اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فما أحببتم فأمسكوا، وما كرهتم فبيعوا، فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم» وسأله رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ثم قال: «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة»، وضرب رجل من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عبدا له، فجعل العبد يقول: أسألك بوجه الله، فلم يعفه، فسمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وانطلق إليه، فلما رأى الرجل رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أمسك، فقال له الرسول: «سألك بوجه الله فلم تعفه فلما رأيتني أمسكت يدك» قال الرجل: «فإنه حر لوجه الله» فقال النبي: «لو لم تفعل لسفعت وجهك النار.»
وقال
صلى الله عليه وسلم «أرقاؤكم إخوانكم استعينوهم على ما عليكم وأعينوهم على ما عليهم.» وقال الإمام الزهري: متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر.
وليس يصح قياس هذه الخطوة الواسعة بما فعلت الأمم في هذه الأيام، وإنما يقاس على ما كان الرقيق عليه قبله في أيامه، فقد كان المصريون القدامى والبابليون والبراهمة والفرس يتخذون الرقيق سلعة، ويعاملونهم معاملة وحشية، واتخذه اليونان أيضا وأقره كبار فلاسفتهم كأرسطو وأفلاطون، بل زعم أرسطو أن أرواحهم كأرواح الحيوانات. وتوسع الرومانيون في الاسترقاق إلى حد بعيد. وكان آباء الكنيسة النصرانية يكاثرون الكونتات في اقتناء الأرقاء، فإذا علمنا هذا علمنا الخطوة الواسعة التي خطاها الإسلام في شأن الأرقاء. •••
وشرع الإسلام الجهاد، والجهاد كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب، وهي مصدر جاهد يجاهد مجاهدة وجهادا، مأخوذة من الجهد وهو الطاقة والمشقة، فالجهاد كما قال الراغب الأصفهاني: «استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله - تعالى :
وجاهدوا في الله حق جهاده ،
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ،
إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله
الآية، وقد شرع الجهاد في الإسلام في ثلاثة مواضع:
الأول:
إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.
الثاني:
إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
الثالث: