لقد جرب العالم الأوروبي التقدم المادي بل والتقدم العقلي من علم ومخترعات، حتى توجت هذه بالقنبلة الذرية، ولكنهم مع ذلك التفتوا فرأوا أن النتيجة قلق، واضطراب، وخوف من المستقبل، وتوقع لقيام حرب عالمية تأكل الأخضر واليابس، فلم يبق إلا أن يجربوا التجربة الأخيرة، وهي الدين الصحيح بما يبعث من روحانية، وأن يحيوا القلب كما أحيوا العقل، وأن يتوجهوا إلى الله كما توجهوا إلى المخترعات؛ فإذ ذاك فقط تسود الطمأنينة، ويسود الأمن، وتنقشع الحيرة والاضطراب. بل ربما عدمت الحروب أيضا؛ إنهم إذا آمنوا هذا الإيمان التفتوا فوجدوا زعماءهم الحاضرين غير صالحين؛ لأنهم عباد مادة فقط، وهم يحتاجون إلى زعماء من جنس آخر، تسيرهم المادة والروحانية معا؛ وإذ ذاك أيضا تفنى نظرتهم الاستعمارية، وينظرون إلى الشرق نظرة الأخ الكبير إلى الأخ الصغير، يربيه أحسن تربية، ويأخذ بيده ويحفظ عليه ماله حتى يرشد، ثم يتعاون معه على الخير.
وخالق العالم خلقه مادة وروحا، فكان من الطبيعي ألا يسعد إلا إذا غذي العنصران واكتمل المنهجان.
وقد اتهم الإسلام أنه يحمل أصحابه على عدم مسايرة المدنية الحديثة والتقدم الاجتماعي، ولكن أي شيء فيه يمنع التقدم؟!
كتب كاتب إنجليزي وهو مستر د. ج. كوريت مقالا في بعض الجرائد الإنجليزية عربته جريدة المؤيد، قال فيه: إن إنجلترا أكبر دولة إسلامية؛ لأن المسلمين الذين تحكمهم الدولة العثمانية ستة عشر مليونا ونيفا - وذلك حسب إحصاء سنة1891، وهم الآن أكثر من ذلك - تحكم الصين منهم 32 مليونا، وتحكم روسيا ستة ملايين، وتحكم إنجلترا 107760804.
ويقول الكاتب إن المسلمين يتمتعون في المستعمرات الإنجليزية بالحرية الدينية، وستكون الهند مصدرا لمدنية آسيا، ومصر منبعا لحياة ما يجاورها من آسيا وأفريقيا، وهو مع هذا ينسب إلى قومه الإنجليز التقصير في القيام بمصالح المسلمين، ويثبت لهم أن مستقبل بريطانيا مرتبط بمستقبل المسلمين، ومصالحهم مقرونة بمصالحهم. ويقول إن الإنجليز ارتكبوا هفوات مع المسلمين جهلا وغرورا، وقال إن الواسطة الوحيدة لتمكين سلطتنا في آسيا وأفريقيا هي أن نبذل جهدنا في إفهام المسلمين أن مصالحهم الدينية والسياسية مرتبطة بمصالحنا، ويجب إفهامهم أن كثيرا من معتقداتهم التي يحسبونها من الدين ليست منه، ولا جاء بها كتابهم. ويقول السيد أمير علي أحد نبهاء المسلمين في الهند: إن سبب تأخر المسلمين وبقائهم على ما هم عليه من التأخر يرجع في الغالب إلى ما رسخ في أذهانهم من أنهم لا حق لهم في استعمال عقولهم في فهم دينهم؛ لأن ذلك قد انتهى بانقراض المجتهدين الأولين، وصار الاجتهاد بعدهم محرما، وأن المسلم لا يكون مسلما صادقا إلا إذا كان مقلدا لمذهب من المذاهب المعروفة، فيترك المسلم ما يعتقد وما يفهم، ويتمسك بتفسير أهل القرن التاسع من الفقهاء، غير ملتفت إلى الآراء والأفكار التي وصل إليها العالم في القرن التاسع عشر. وختم مقاله بالثناء على الإسلام، ونقل أقوال ثقات الحكماء والعلماء الغربيين في مدحه، وأجاب عن الاعتراضات المشهورة عليه بأجوبة حسنة.
وفي الحق ماذا يمنع الإسلام من ترقية أهله وأخذهم بأسباب المدنية الحديثة؟ وإن أركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، فأي من هذه الأركان تعوق تقدم المسلمين؟! إن شهادة «لا إله إلا الله» تكسبهم العزة كما بينا، وإقامة الصلاة تطهر قلوبهم، وإيتاء الزكاة يقرب بين الفقراء والأغنياء. وصوم رمضان يفهمهم آلام البؤساء، وحج البيت مؤتمر عام للمسلمين يمكن قادتهم من أن يتداولوا المشاكل الحاضرة للمسلمين، وكيف يحلونها.