تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الشرق فعماده قديما وحديثا القلب، فإن كان ولا بد فالقلب أولا والعقل ثانيا. هو يدخل في حسابه دائما الحياة الآخرة بعد الموت، ويضمها دائما إلى حساب الدنيا، وهو دائما يتساءل هل هذه الأعمال يكافئ الله عليها في الآخرة بالثواب أو العقاب. وأخلاقه التي يسير عليها مبنية على حساب هذه الآخرة أيضا، وهو كثير السؤال عن غاية هذا العالم ومصيره، وأنه مسير بقوة عظيمة هي قوة خالقه، وأنه سيحاسب الإنسان في الآخرة على ما قدمت يداه في دنياه، وهذه الصورة مركزة في ذهن الشرقي وموروثة له أبا عن جد، وهو في أشد أوقات النعيم في الدنيا يشعر بحافز يحفزه إلى أن يسأل: ما عاقبة هذه اللذة بعد الموت؟! أثاب عليها أو أعاقب؟ وماذا سيكون موقفي أمام الله إذا سألني عنها؟! وهكذا. وهو يبني أخلاقه على أساس الدين، ويبني أعماله على أساس القلب، ولهذه الطبيعة الشرقية والاستعداد الفطري الخاص كان الشرق منبع النبوات، والفلسفة الإشراقية، ومذاهب المتصوفة، وإطالة التأمل، ونحو ذلك من مظاهر الحياة الروحية! فإن ظهرت نفحات من ذلك في الغرب فمصدرها غالبا الشرق، واليهودية والنصرانية والإسلام والتصوف في الغرب ليس إلا موجة من موجات الشرق.

يكاد يكون للشرقيين عنصر خاص ينقص غيرهم وهو الإحساس الديني العميق الذي يلازمهم حتى في أوقات خروجهم عن الدين، ولذلك كثيرا ما يعقب المعصية تنبه الضمير الديني والمبالغة في التوبة والندم. إنهم يؤمنون في كل حركاتهم وسكناتهم وتصرفاتهم بإله يسيرهم وقدر يتحكم فيهم.

قد يأتي على الشرق زمن تفسد فيه عقيدته، ويسوء تصرفه، وتنحط مشاعره؛ فتصدر عنه أعمال خسيسة لا تصدر عن الغرب المادي، ولكن هل يصح أن نعد هذا العارض إفسادا للذاتية وفقدا للخاصية، أو نعده حاسة أصيبت بآفة مع الرجاء في شفائها، أو جسما أصابه المرض وفيه حصانة تبشر بالشفاء؟ ولو حكمنا بالظاهر لقلنا إن مادية سليمة تخضع للعقل، وتنجح في الحياة، وتسيطر على العالم خير من روحانية فسدت، ومبادئ قوية تعفنت، ولكن ليس هذا إنصافا في الحكم؛ فما نتيجة هذه المادية الناجحة؟! إنها مدنية روعت العالم، وجعلته على بركان يوشك أن ينفجر، وهو كل يوم في اختراع جديد يهدد العالم بالفناء، فما نتيجة القوة إذا كانت محطمة، وما قيمة القصر المزوق إذا ساد سكانه الفزع؟! ولو أنك سألت أسرة أوروبية: هل تفضل أن تعيش عيشة بذخ وترف وتفقد أبناءها في الحروب، أو تعيش عيشة وسطا ولا يهلك أحد منها في حرب فما الذي كانت تفضل؟! إنى لفي شك من قيمة المدنية الغربية إذا نحن قسنا ما أنتجته للعالم من شرور بما أنتجته للعالم من خيرات. فما قيمة آلات وأدوات ومخترعات بجانب أرواح تحصد، وطمأنينة تفقد، واستغلال قليل من الناس للكثرة الغالبة من العالم، يرهقونهم ويسومونهم سوء العذاب؛ وذلك لأنهم قالوا:

إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين .

ولو آمنوا بالبعث، وضمنوا إلى دنياهم آخرتهم، وقدروا أنهم سيقفون أمام الله يسألهم عن أعمالهم؛ لكانت المدنية غير المدنية، ولكانت مدنية مادية روحانية معا، وهذا ما ينقصها، ولا يصلح العالم إلا بها، وإذ ذاك يكمل الغرب نقصه فيزيد في روحانيته، ويكمل الشرق نقصه فيزيد في ماديته، ويسير الركبان جنبا إلى جنب لخير العالم وإسعاده.

ما الغاية من هذا العالم؟! ما سر الحياة؟! لماذا نعيش ولماذا نموت؟ ما موقفنا بعد الموت؟!

كل هذه ونحوها من عشرات الأسئلة لا يستطيع العلم أن يجيب عنها؛ إذ ليست من الأمور المادية وأشباهها التي تدخل في اختصاص العلم، إنما هي من الروحانيات التي لا يستطيع الإجابة عنها إلا الدين. لقد بلغ العلم درجة كبيرة في المدنية الغربية، ولكنه لم يفعل أكثر من تحسين وسائل الحياة، أما صبغ الحياة لتتفق مع الغاية التي يجب أن تنشد فوظيفة الدين، وكلما اقتصرت المدنية الحديثة على الوسائل دون الغايات ضلت السبيل، ووقعت في الحيرة والاضطراب، وسببت هذا الشقاء المفضض بالنعيم.

يوم الإسلام · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٦٤