وكان من سياسة أمريكا وإنجلترا أن تكتلت الأمم الإسلامية لتجعل منها قوة لدفاع الشيوعية، فبدأت بتشجيع الجامعة العربية على الوجود، ولكن عملت هناك عوامل لم تجعل الجامعة العربية هي المثل الأعلى، وأهم ذلك سببان؛ السبب الأول: أنها كانت وليدة رغبة الإنجليز وتحت سيطرتهم؛ يصرفونها كيف يشاءون، فلم تفعل بوحي ضميرها ما ينبغي أن تفعله. والثاني: الخلاف بين رؤساء الشعوب، وخصوصا الخلاف بين البيت الهاشمي - وعلى رأسه ملك العراق وملك شرق الأردن - وبين السعوديين الذين يعتبرون في نظر الهاشميين مغتصبين، وقد أيدت مصر الحجاز فأوسعت بذلك شقة الخلاف. وليست تؤدي الجامعة العربية رسالتها كاملة إلا إذا تحررت من الإنجليز والأمريكان أولا، وبطل الخلاف بين البيوت المالكة ثانيا.
وكان مما فتح عيون العرب، وأقض مضجعهم ما رأوا من تعاقد إنجلترا وفرنسا سنة 1904 على تقاسم النفوذ؛ فتطلق يد إنجلترا في مصر، وتطلق يد فرنسا في المغرب، ففهم العرب من ذلك أن المسألة هي تفاهم الغرب على السيطرة على الشرق.
وتكرر مثل ذلك بشكل أخس في الحرب العالمية الأولى؛ فقد اتفقت إنجلترا مع قادة العرب أن ينضموا إلى جانبهم، ويثوروا على الدولة العثمانية في نظير تعهد إنجلترا بالرضا عن إنشاء دولة عربية في الشرق.
وبينما هي تتفق مع العرب على ذلك كانت تتعاهد مع فرنسا على تقسيم النفوذ بينها وبين فرنسا على البلاد العربية، واستطاعت إنجلترا بمكرها ودهائها أن تخدع العرب بذكر عبارة مطاطة تخفي ما وراءها. فقد نصت في المعاهدة على أن ذلك الاتفاق يسري فيما عدا جنوب العراق حيث المصالح البريطانية تقتضي اتخاذ تدابير مخصوصة، وأيضا فيما عدا المناطق التي ليست بريطانيا العظمى حرة في التصرف بشئونها تصرفا منافيا لمصالح فرنسا، ففهم العرب من ذلك أن هذه العبارة في صك عهد السيد هنري مكماهون إنما يعني بها منطقة لبنان الضيقة. ففرحوا وانتشوا سرورا، بينما كان يقصد منها أبعد من لبنان بحيث تشمل سوريا وتضع العراقيل في سبيل إنشاء دولة عربية. فبينما كانت إنجلترا تعطي العرب باليمين كانت تتفق مع فرنسا لضعضعة حالة المسلمين والعرب باليسار.
وهكذا تكشفت المسألة بعد الحرب عن خديعة كبيرة ومؤامرة قاسية جرحت العرب في أعماق نفوسهم جرحا لا يندمل، وحتى كان من لورانس الضابط الكبير الإنجليزي الذي اشترك في الثورة العربية وسمي ملك العرب غير المتوج أن ثار على الإنجليز ثورة عنيفة، ورفض النياشين الإنجليزية التي عرضت عليه، والوظيفة التي أرادتها إنجلترا له، ولولا أن الملك فيصل هدأ الثورة العربية لاعتقاده أن العرب لا يستطيعون حربيا أن يتفوقوا على إنجلترا وفرنسا، وأنه يستطيع أن ينال بالمناورات السياسية السلمية ما لا يناله بالحرب، وأن ينفذ من بين الخلافات الناشبة بين فرنسا وإنجلترا ما يكسبه للعرب، أقول لولا ذلك لهبت نار الثورة في البلاد العربية غضبا على الإنجليز والفرنسيين واندلع لهيبها حتى لا يعلم إلا الله منتهاها.
ومع ذلك فقد عقد مؤتمر في سوريا أعلنوا فيه استقلالها، وشبت ثورة في العراق على الإنجليز مما جعل السلم والهدوء عسيرين.
وكانت معاهدة سيفر التي كان بمقتضاها احتلال القسطنطينية، والقضاء على الترك، كما قضوا على العرب من قبل؛ سبب ثورات تركية تحت قيادة مصطفى كمال وتنكيله باليونان أعظم تنكيل، وإلجاء فرنسا وإنجلترا إلى الاعتراف به، وبذلك ثار الترك والعرب معا ثورات عنيفة مملوءة بالحقد والغضب.
وليس هناك إلا أمل واحد وهو أن إنجلترا وفرنسا تبدلان موقفهما بعد أن أدركتا متاعبهما، فتريان أن استعمار البلاد الإسلامية لم يعد سهلا يسيرا كما كان من قبل، فتحولان وجهتيهما إلى جهة أخرى، وتغيران شعورهما العدائي إلى شعور مبني على الإخاء والمساواة، وتعتقدان أن من الخير مصادقة المسلمين، والأخذ بيدهم، وإشراكهم في بناء الحضارة معهم. والمسلمون من ناحيتهم يبادلونهم ودا بود، ويرقون أنفسهم، ويساهمون في بناء الحضارة معهم. ومن غير هذا تتسع الهوة، ويزداد النفور والشقاق، وتئول الحالة إلى أسوأ حال.