وأيا ما كان؛ فما هو مستقبل الإسلام؟ يدور هذا السؤال في الخاطر والجواب عنه صعب عسير؛ لأنه خاضع لعوامل كثيرة في المستقبل سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية. إن مما لا شك فيه أن الأمم الإسلامية سترتقي ارتقاء تدريجيا في الشئون الاجتماعية والاقتصادية وخاصة في العلوم الدنيوية، وكل يوم يدل على أن الأمم الإسلامية سائرة إلى الأمام في هذه الأبواب. ولكن ما هو مصير الإسلام كدين وهو أحد العوامل في رقي الأمم؟ يتوقف هذا على الحرب القادمة، فكل الدلائل تدل على أنه في الأرجح أن تقوم الحرب في العشر السنوات القادمة بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الديموقراطي، وسيكون العالم الإسلامي أحد الميادين لهذه الحرب، وسيكون ميدانا يقع فيه المد والجزر أولا، ثم قد تنتصر الشيوعية وقد تنتصر الديموقراطية، فإذا انتصرت الشيوعية؛ فليس هناك أمل كبير في الحالة الدينية وقيام الإسلام من جديد إلا إذا عادت الشيوعية الى التدين، أما إذا انتصرت الديموقراطية؛ فسيكون هنا مجال للدين الإسلامي كالمجال للدين النصراني، ولكن في هذه الحالة يحتاج المسلمون مع نشاطهم العلمي إلى إصلاح ديني جريء شامل، وأهم ما يحتاجون إليه الاجتهاد المطلق الذي شرحناه من قبل والذي ينظر إلى الإسلام وتعاليمه من جهة وإلى حالة كل قطر اجتماعية وما يلزمها من جهة أخرى.
فنحن محتاجون إلى اجتهاد كاجتهاد عمر الذي أوقف الإعطاء للمؤلفة قلوبهم مع أن الله عدهم ممن يأخذون الصدقات، وعلل ذلك بأن الدين إذ ذاك كان قلا فكثر، ومثل إيقاع الطلاق الثلاث ثلاثا مع أن الآية تقول الطلاق مرتان والطلاق الثلاث ليس إلا مرة.
ولئن كان الاجتهاد المطلق عسيرا في الأيام الماضية فهو أسهل اليوم؛ إذ كان المجتهد يرحل من بغداد إلى مصر لأخذ حديث واحد أو تصحيحه، فالكتب اليوم والمطابع يسرت الأمر على من أراد الاجتهاد. وكل زمن محتاج إلى مجتهد، بل مجتهدين في كل قطر، يعرفون مطالبه والحالة الاجتماعية التي تدعو إلى نوع من هذا الاجتهاد، وما قد يصلح في قطر قد لا يصلح في آخر، وما يحتاج إليه قطر قد لا يحتاج إليه الآخر، وما يحتاج إليه القطر في عصر قد لا يحتاج إليه القطر في عصر سابق.
وقد لاحظ المصلح الشهير سراج علي الهندي أن آيات الأحكام التي وردت في القرآن نحو مائتي آية من آلاف الآيات، ورأى أن جزءا كبيرا من هذه الآيات لم يرد في الأحكام قصدا، وإنما استنبط الفقهاء منه أحكاما شرعية، مع أنها وردت للوعظ والإرشاد أو بنحو ذلك، وقد روي من هذا القبيل نحو ثلاثة أرباع هذه الآيات فلم يبق إلا ربع هذه الآيات وهو خمسون آية يضاف إليها نحو سبعة عشر حديثا في الأحكام هي التي صحت عند أبى حنيفة النعمان، كما قال ذلك ابن خلدون في مقدمته. فآيات الأحكام وأحاديث الأحكام تجعل باب الاجتهاد مفتوحا أمام المجتهدين. ورأينا في هذا الاجتهاد بهذا المعنى الواسع يعتمد فيه على سنة عمر ومن سلك مسلكه، فأمد هذا الباب بآراء كثيرة اجتهد فيها. •••
ومما يؤسف له أن المدنية الغربية غزت الشرق تحت دوي المدافع وصليل السيوف، فاستقبلت استقبالا سيئا، واعتقد المسلمون فيها أنها مدنية نصرانية لا عالمية، ولذلك كان الأقباط في مصر أقرب إلى قبولها والانتفاع بها من المسلمين.
على كل حال زاد ضغط الأمم الغربية على الشرق، وعاملوه معاملة قاسية كالتي ذكرناها، فزاد كره المسلمين للمسيحيين الفاتحين، وتمنوا الفرصة التي تسنح للتخلص منهم، وساعد على ذلك أن الطبقة الثانية من الحاكمين المستعمرين لم يكونوا كالأولين، مثل: اللورد كرومر في مصر؛ فقد كان أحكم وأحزم، وخلفه مثل: غورست وكتشنر فلم يكونا في حكمته ومهارته. وزادهم طموحا أن المصلحين الأولين، مثل: محمد بن عبد الوهاب، والسيد جمال الدين الأفغاني كانت قد نضجت تعاليمهما، وأثرت في المسلمين أثرا كبيرا، ثم كانت حركة تركيا الفتاة ودعوتها إلى الحكم الشوري وخلع نير الاستبداد. فطمح المسلمون في الأقطار الأخرى إلى أن ينالوا مثلما نالوا، فثارت مصر على الإنجليز، وثار المغاربة على الفرنسيين، وثار الهنود على الإنجليز، وثار العجم على روسيا وإنجلترا، وهكذا. فلما جاءت الحرب العالمية الأولى تنفس المسلمون الصعداء، وفرحوا لوقوع الدول الغربية بعضها في بعض، وعلموا أن المحاربين جميعا سيخرجون منهزمين سواء منهم الغالب والمغلوب. وجاءت تعاليم ولسن فقوت طموحهم وأملهم في المستقبل، فلما خاب رجاؤهم ثاروا ثورة أخرى، وغلوا ثالثة لما أعاد الدعاة مبادئ ولسن في الحرب العالمية الثانية ثم لم تحقق، ولكن كان المستعمرون مختلفين في السياسة الاستعمارية. ومن عادات الإنجليز أنهم يتنسمون الريح، ويبنون سياستهم على الحالة الجديدة، فإذا رأوا اتجاه شعبهم مثلا إلى الشيوعية توسعوا في الاشتراكية وفي الضمان الاجتماعي وأمثال ذلك، فلما أدركوا حالة الهند واستعدادهم للثورة انسحبوا منها، وساعدوا حركة الانفصال بين المسلمين في الباكستان والوثنيين في الهندستان، ولما رأوا شدة الحركة في مصر غيروا الألفاظ من احتلال إلى انتداب إلى مشاركة في الدفاع، وانسحبوا من المدن الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية، ولما رأوا حرج موقفهم في فارس تخلوا عنها بعض الشيء، وكان من هزيمة فرنسا في الحروب واختلافها مع إنجلترا أن ألجئت إلى الانسحاب من سوريا ولبنان، فقوى ذلك من عزيمة المسلمين في البلاد الأخرى وتمنوا ما نالوا، ولا يزال الصراع قويا، والمطالبة بالاستقلال تزداد، ولا يدرى إلا الله ماذا سيكون بعد.