تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قامت الحرب العالمية الأولى أحست أوروبا بالقلق واحتمال الهزيمة؛ فاستنصرت بالمبادئ الإنسانية الأخلاقية القويمة، من مثل حق الأمم الصغيرة في حكم نفسها بنفسها، وإطلاق حريتها ونحو ذلك. وصرحت عشرات التصريحات في هذا المعنى فاعتقد العالم الإسلامي صحة هذه الأقوال ومنوا أنفسهم أماني بعيدة، وتداول المسلمون في جميع الأقطار هذه الأقوال بل حفظوها حفظا، فلما انعقد مؤتمر فرسايل تبخرت كل هذه الأقوال، وعاد الأوروبيون إلى مسلكهم الأول، وانفجر العالم الإسلامي في كل مكان، واشتعلت الثورة في مصر، وفي طرابلس، وفي المغرب، وفي الهند تطلب كلها إبرار الأوروبيين بوعودهم، وافتتح العالم الإسلامي عهدا جديدا، عهدا مؤسسا على خيبة الأمل والانخداع بالوعود الأوروبية مما حمل الأوروبيين على أن يغيروا موقفهم تجاه هذه الحركات العنيفة، فغيروا كلمة الاستعمار بكلمة الانتداب، ومنحوا بعض الأقطار الاستقلال كاملا أو ناقصا، وعلى العموم فقد خطت البلاد الإسلامية خطوة جديدة لم تكن معروفة للعالم الأوروبي من قبل. ولما جاءت الحرب العالمية الثانية تكررت نفس المأساة؛ فكان بعض العقلاء يرون أن وعود الأوروبيين والأمريكيين وعود خلابة لا تثبت في السلم، وأن السلم إذا جاء يبخرها، ولكن أكثر الشعوب الإسلامية انخدع في المرة الثانية كما انخدع في المرة الأولى، وإذا كانت الشعوب الإسلامية قد لدغت مرة من قبل، فإنها لم تتألم من اللدغة الثانية تألمها من اللدغة الأولى، ولكن ظل حنقها كمينا.

وحين جاءت الحرب العالمية الثانية شفى العالم الإسلامي غليله لوقوع القتال بين الدول النصرانية؛ علما منهم بأن الخاسر في هذه الحرب هو الغالب والمغلوب معا، وأملت أن يكون في هذه الحرب الساحقة ما يخفف الأثقال عن كاهلها.

ولا يدري إلا الله ماذا سيكون لو وقعت حرب ثالثة، فربما أمل العالم الإسلامي خيرا من النزاع الشديد بين الدول الديموقراطية، أو بعبارة أخرى الرأسمالية، وبين روسيا الشيوعية، فإن الاختلاف بين الدول النصرانية يفسح المجال أمام العالم الإسلامي، ويجعله يشق طريقه بين المذهبين، ويستطيع أن يكسب من الخصمين إذا أحكم النظر وأعمل الفكر. ولكن فت في عضد المسلمين داخليا ما رأوه من تخاذل المسلمين وكذبهم في سبيل النصرة ضد الصهيونيين، وخارجيا بما رأوه من اتفاق الكتلتين الديموقراطية والشيوعية على مناصرة الصهيونيين، وإخراج المسلمين من ديارهم، ومساعدتهم بكل ما أمكنهم؛ فكان التخاذل مع الحق أمام الاتحاد على الباطل، ولكن ربما كان هذا نارا تلهب قلوب العالم الإسلامي من جديد، وتنكأ جروحهم القديمة، وتجعلهم يؤمنون بأن الأمل في الاعتماد على فريق منهم أمل ضائع، وألا أمل إلا في الاعتماد على الله وعلى أنفسهم.

وهذا الوعي القومي الذي حدث في العالم الإسلامي من جراء هجوم الأوروبيين عليهم واستعمارهم؛ سبب ثورة في كل قطر من الأقطار الإسلامية، فشبت في الجزائر ثورة سنة 1871، وهب رجال الدين في كل بلد من بلاد إفريقية الشمالية يستثيرون المسلمين، ويستنفرونهم للحرب والجهاد، وكانت ثورة المهدي في السودان المصري، وهي ثورة دامت طويلا، وكلفت الإنجليز خسارات كبيرة، ولم تخمد حتى استطاع كتشنر أن يستولي على الخرطوم، وانفجر في أفغانستان بركان حقد وعداء للغرب، وطارت شرارة منه إلى مسلمي الهند فألهبت صدورهم، فهبوا يشقون الطاعة ضد الإنجليز، وثارت أواسط آسيا على يد الطريقة النقشبندية، فأخذت تمتد، وتنتشر شرقا حتى بلغت الأقطار الصينية، فثار مسلمو الصين ثورتهم الكبرى في تركستان، وأشعلت جزائر الهند الشرقية الهولندية ثورات متوالية. ولكن هذه الثورات كلها كانت محلية متقطعة يعوزها التنظيم والاتحاد، وتوحيد قوة القيادة، والإيمان بأنه لا يصد الأوروبيين مجتمعين إلا الجامعة الإسلامية. وقد أدرك هذا بعض القادة مثل محمد ابن عبد الوهاب في الحجاز، والسنوسي في الصحراء، والسيد جمال الدين الأفغاني، ولكن كان هناك حركة معاكسة؛ لهذا ترى أنه لا يمكن الإصلاح إلا إذا قوت أولا كل أمة نفسها، وحذت حذو أوروبا في جميع مناهجها في النهضة، كحركة مصطفى كمال في تركيا، ومحمد علي في مصر، وأمان الله خان في الأفغانستان. فكل هذه الحركات كانت حركات لا دينية لا تؤمن بالجامعة الإسلامية. ولذلك تخلى مصطفى كمال عن العرب. بينما كان محمد بن عبد الوهاب والسيد جمال الدين والسنوسي ينظرون دائما إلى عهد الإسلام الأول، وقدرة نظامه على الإصلاح التام، وضرورة اجتماع كلمة المسلمين كما كانوا مجتمعين من قبل أن تفرقهم السياسة والمذاهب الدينية.

يوم الإسلام · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٥٤