تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد اختلف المصلحون؛ فكان مثلا مثل الشيخ محمد عبده يرى أن التربية الإسلامية الصحيحة يجب أن تسبق الجلاء، وأنها إذا وجدت ألفت بين القلوب، وقضت على التنافر، وجعلت المسلمين وحدة يرمون النصارى إلى خارج بلادهم، ووجد دعاة آخرون أمثال مصطفى كامل كانوا يرون الجلاء أولا؛ لأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون ناجحا في عهد الاستعمار، وهو المسيطر على البلاد، القابض على زمام الأموال، المشرف على حركات التربية والتعليم، ومهما كان فكلا الرأيين متفق على ضرورة وحدة العالم الإسلامي واجتماع قواه. وكان من أكبر أسباب تخاذل المسلمين في الحرب الفلسطينية الأخيرة عدم توحد القوى، وعدم وضوح الهدف أمام الجميع، فمصر تحارب، والعراق تنكمش، وشرق الأدرن تمالئ، وكل يدلي بحجته في تبرير مسلكه، وهم جميعا متفقون على أن وحدتهم كانت قوة وتخاذلهم كان شرا عظيما، وكان من نتيجة الفشل مهما قيل في أسباب التخاذل وعلله؛ ضياع فلسطين.

وفترت حدة بعض الدول الأوروبية في التشهير بالجامعة الإسلامية كما كانت في عهد جمال الدين الأفغاني؛ لأنهم أدركوا أن في تكتل العالم الإسلامي وتوحده مصلحة لهم، على شرط أن يكون هذا التكتل ضد روسيا وضد الشيوعية، وكان يصح أن يتخذ المسلمون هذه فرصة سانحة لتكوين وحدتهم والعمل على تكتلهم كما كانت السلطنة العثمانية على عهد السلطان عبد الحميد تنتهز الفرصة لوقوع الخلاف بين إنجلترا وروسيا لتشق الطريق بينهما، وما كانت تستطيع أن تشقه إذا اجتمعتا.

ولقد كان المرحوم سعد باشا زغلول يرى أن يسبق الدعوة إلى الجامعة العربية أو الجامعة الإسلامية انشغال كل قطر بتقوية نفسه حتى تكون هناك قيمة لائتلاف الأمم القوية لا الأمم الضعيفة، فبعد أن تقوي الأمم نفسها يكون لها هناك جامعة عربية أو جامعة إسلامية. على أنه فيما أظن لا ينكر أن وحدة العالم العربي أو العالم الإسلامي هو الهدف الأخير، إنما يجب أن تسبقه مقدمات مثل أخذ كل قطر بتقوية نفسه.

وكان السلطان عبد الحميد على عيوبه التي منها الاستبداد والإمعان في الشهوات من أكبر دعاة الجامعة الإسلامية، يرى أنه لا يمكن الاستغناء عن العنصر العربي بجانب العنصر التركي، وأن اجتماع العنصرين قوة لا يستهان بها فإذا انفرد كل ضعف، واستغل في ذلك سلطانه على الحرمين الشريفين مكة والمدينة، ولما أرادت إيطاليا الاستيلاء على طرابلس الغرب وقف العرب بجانب الترك مستأسدين واستطاعوا أن يهزموا الطليان أولا هزيمة منكرة. كل ذلك جعل الأوروبيين من إنجليز وفرنسيين يخشون بأس تركيا، ويحذرون قوتها بهذه الجماعة الإسلامية. ولهذا لما قضى مصطفى كمال على الخلافة هب الهنود المسلمون ورأوا فناءها كارثة على الإسلام والمسلمين ... وجاءت حركة مصطفى كمال ترى أن انضمام العرب والترك كان كارثة على الترك، خصوصا بعد ما ظهر من تخلي العرب عن الترك في الحرب العالمية الأولى فنادى بالتخلي عن العرب والاقتصار على العنصر التركي؛ لأن ذلك يسهل له طريق النهوض من غير أن يحمل على ظهره أعباء النهوض بالعرب أيضا. ومن ناحية أخرى رأى العرب أن الأتراك وحكمهم سبب تأخرهم وعدم نهوضهم فتخلوا عنهم، فكان هذا الانشقاق كارثة على الجامعة الإسلامية كلها. ومن ذلك الحين لم تصف نفوس العرب ولا نفوس الأتراك إلى اليوم، وظلت هناك كتلتان: كتلة عربية وكتلة تركية على غير وئام وانسجام، وأصبحت نزعتاهما مختلفتين: نزعة للعرب، يدعو قادتها إلى الرجوع إلى الإسلام الأول مع الأخذ من المدنية الغربية بأحسن ما وصلت إليه، وخاصة العلم، ونزعة تركية، تدعو إلى التحرر من الماضي واتخاذ المدنية الغربية أما في كل شيء. ولكن الإسلام إذا دخل قلبا صعب عليه أن يخرج منه، فرأينا الأتراك بعد موت مصطفى كمال يحنون إلى الإسلام من جديد ويرجعون في نزعتهم بعض الشيء وخصوصا الأشياخ منهم. ومن الأسف أن فكرة الجامعة الإسلامية مع ظهورها لم يتحد العرب والأتراك في اعتناقها، حتى لما رأت حكومتا أمريكا وإنجلترا مصلحتهما في تكتل المسلمين كتلة واحدة معهما أشارتا على العرب والترك بالاتحاد فكان ذلك خضوعا للإشارة، لا مراعاة للمصلحة.

يوم الإسلام · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٥٣