تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما هاجر النبي إلى المدينة كان الشأن فيها غير الشأن في مكة، فأكثر سكان المدينة - من الأوس والخزرج - فشا فيهم الإسلام وآمنوا به إيمانا صادقا، على العكس من أهل مكة الذين لم يسلم منهم إلا القليل. واستراح الأنصار - من الأوس والخزرج - مما كان بينهم من حروب ومحن، واستراح المهاجرون المسلمون مما كان يؤذيهم به صناديد قريش في دارهم، وكان المدنيون أكثر ثقافة بالكتب المنزلة لما كان بينهم من يهود، وكان هذا من الأسباب التي دعتهم أن يتقبلوا دعوة النبي، ويفهموا النبوة ومراميها أكثر مما تفهم قريش. وكان بجانب هؤلاء المسلمين من الأنصار والمهاجرين قبائل يهودية لهم مزايا العرب في الحروب والقتال، ولكنهم - كشأن اليهود عامة - شديدو المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وشعائرهم؛ فأبوا أن يتركوا شيئا من ذلك، وأبوا إلا الإصرار على دينهم وشعائرهم، وناصبوا النبي العداء. وأخذ الخلاف يشتد بينهم وبين المسلمين كلما تقدم الزمان وحدثت الأحداث، وأخذت نغمة القرآن في خصومهم تشتد بجانب ذلك.

وبجانب هؤلاء وهؤلاء كان قوم من الخزرج حقدوا على الإسلام، إما لأن الإسلام أفقدهم رياستهم الدنيوية، وإما لأنهم أتباع هؤلاء اليهود أو نحو ذلك. ولكن التيار العام - تيار المسلمين - جرفهم معه فتظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر؛ فسموا بالمنافقين، وحمل عليهم القرآن حملة شديدة كحملته على اليهود. وكان يرد دسائسهم ومكرهم، وينقض مؤامراتهم. وفي هذا العهد كان القرآن يخاطب المسلمين:

يا أيها الذين آمنوا ، بينما كان الخطاب في عهد مكة:

يا أيها الناس ، ولما كان القتال بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة، وبين المسلمين في المدينة واليهود فيها، كانت الآيات المدنية مبينة قوانين الجهاد، ومسجلة لأحداث الغزو، فآيات في غزوة بدر، وآيات في غزوة أحد، وآيات في غزوة الأحزاب ... إلخ. وهي كلها شديدة شدة الحرب حتى إذا تم فتح مكة نزلت سورة:

إذا جاء نصر الله والفتح ، ويغلب على الأسلوب في الآيات المدنية الطول مع التزام الفواصل ومع الهدوء الذي ينسجم مع التشريع. وليست الآيات وحدها هي التي تطول بل تطول السور كذلك؛ ولذلك سميت بعض السور السبع الطوال. وفي القرآن سور أدبية رائعة من جمال تشبيه، وجمال أمثال، وجمال استعارة، وجمال حجاج.

وأما السنة فهي أهم مصدر بعد القرآن. وقد تجرأ قوم فأنكروها، واكتفوا بالعمل بالقرآن وحده، وهذا خطأ؛ ففي السنة تفسير كثير من النبي

صلى الله عليه وسلم

للقرآن، فقد كان يجيب على أسئلة الصحابة فيما غمض عليهم، ويبين لهم ما اشتبه عليهم، وفيها تاريخ الإسلام، وتاريخ أعمال الصحابة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن، وكيفية عملهم بها. فمن الحديث نعلم كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن، وكيف نجحوا في تأسيس حكومة مدنية على مبادئ الإسلام، وفي الحديث أخبار الرسول وأصحابه ووقائعهم إلى غير ذلك.

وقسم من الأحاديث أخلاقي تهذيبي، يحتوي على الحكم والآداب والنصائح مثل: مدح الصدق والعدل والإحسان، وذم الكذب والظلم والفسق والفساد. وقسم يشتمل على أصول العقائد المذكورة في القرآن مثل: التوحيد، والصفات الإلهية، والرسالة، والبعث، وجزاء الأعمال.

وقسم آخر يشمل على أحكام، وقد اشترطوا في أحاديث الأحكام صحتها. وهناك فرق بين السنة والحديث؛ فالحديث كل واقعة نسبت للنبي

صلى الله عليه وسلم

ولو كان فعلها مرة واحدة، ولو رواها عنه شخص واحد، وأما السنة أصحابه والتابعون. وتدوين كتب الحديث بمنزلة تسجيل التاريخ لهذا العمل المتواتر. والسنة مشتقة من معنى العادة والطريقة المستمرة كما قال الله - تعالى:

سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ، وقوله:

فقد مضت سنت الأولين ، وقوله:

فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا ، والمسلمون اقتبسوا هذه الكلمة من القرآن، واستعملوها للدلالة على سنة النبي وأصحابه.

يوم الإسلام · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٣