تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول آخر: «لم تكن المسيحية في يوم من الأيام من التفصيل ومعالجة الإنسان بحيث تقوم عليه حضارة أو تسير في ضوئه دولة، ولكن كان فيها أثارة من تعاليم المسيح وعليها مسحة من دين التوحيد البسيط، فجاء «بولس» فطمس نورها، وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها، والوثنية التي نشأ عليها، وقضى قسطنطين على البقية الباقية حتى أصبحت النصرانية مزيجا من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية، والأفلاطونية المصرية، واضمحلت في جنب الرهبانية التعاليم المسيحية، وعادت أليافا جافة من معتقدات لا تغذي الروح، ولا تمد العقل، ولا تشعل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية، وأسرف المسيحيون في عبادة القديسين والصور المسيحية حتى فاقوا في ذلك الوثنيين.»

ولم تكن فارس على عقيدتها الزرادشتية والبوذية بأحسن حالا، فكان الملوك يتزوجون بناتهم وأخواتهم حتى يزدجرد الثاني جنى على بنته ثم قتلها، وبهرام جوبين كان متزوجا بأخته، وكانت فارس مسرحا لمذهب ماني الزاهد المتنسك، ومزدك الإباحي المتهتك.

وكذلك كان الشأن في الهند؛ فكانوا يؤمنون بتفاوت الطبقات، فبيوت أرستقراطية عالية يراها الناس فوق مستواهم، وبيوت دون ذلك، ومن التصق بحرفة لم يبح له أن يخرج عنها، ومن التصق بنسب لزمه. وهكذا شأن الهنود والصينيين يغلب عليهم عناصر ثلاثة، وهي: الوثنية المتطرفة، والشهوة الجنسية الجامحة، ونظام الطبقات.

والعرب في الجاهلية غرقوا في عبادة الأوثان. وكان الدين - كما يدل عليه شعرهم - شيئا سطحيا غير متغلغل في أعماق صدورهم، فقدسوا الحجارة والغدران. ومن آثار ذلك بئر زمزم والحجر الأسود، وكانوا لا يمجدون آلهتهم ... كما تدل عليه حادثة امرئ القيس؛ إذ مر على مكان يقال له ذو الخلصة، وكان به صنم فاستقسم عنه بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص وأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي أيضا، ثم أجالها فخرج الناهي؛ فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم. واعتقدوا أن في الأشياء المادية من جبل وريح أرواحا تعبد كما تعبد الأصنام؛ فعبدوا الكواكب من شمس وقمر. واشتهر من أوثانهم العزى واللات ومناة، وكان اسم عبد العزى كثير الشيوع بينهم، ومع ذلك كانوا يعتقدون في هذه الأحجار أنها دون الله، وأنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى. وامتلأ بالأصنام حتى جاء محمد

صلى الله عليه وسلم

بالإسلام فأمر بكسرها. •••

جاء الإسلام وعماده شيئان: القرآن والسنة؛ فأما القرآن فأتى بتعاليم مخالفة لتعاليم الجاهلية. والقرآن ينقسم قسمين: مكي ومدني، وأساليبه متنوعة بين شدة ولين، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد؛ مسايرة للسيرة النبوية، وموافقة لحال المسلمين والمشركين في أوقات نزول الآيات. والآيات المكية نراها تتجه اتجاها قويا نحو الدعوة إلى عبادة إله واحد هو رب العالمين، وبيده ملكوت كل شيء، ونحو الدعوة إلى الإيمان بيوم الحساب ومكافاة الخير بالخير والشر بالشر، والاستدلال على الله بآثاره في العالم، وتقرير أن الأصنام عاجزة كل العجز عن أن تعمل عملا في الكون، فهي لا تستطيع أن تجلب الخير لنفسها فكيف لغيرها؟! والآيات الأولى آيات قصيرة لها رنين قوي تدعو إلى الله، وتقسم بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس، والأماكن المقدسة، والوالد وما ولد، والنفس وما سواها؛ إشعارا بعظمة الله خالقها.

وقد سالم المشركون محمدا أول الأمر، ثم ناصبوه العداء ورموه بالكذب والجنون، فنزلت آيات القرآن شديدة على الكافرين، متوعدة أشد الوعيد، مصورة لكبريائهم صورة هزؤ وسخرية، وهو إلى ذلك يوضح في قوة ما سيناله الكافرون من عذاب أليم، وما سيناله المؤمنون من نعيم مقيم. ولبث القرآن في العهد المكي يحاج المخالفين ويقص العبرة من سيرة الأولين بعد المدة الأولى من العهد المكي، في فواصل أطول وأسلوب أهدأ. وفي هذا العهد نزلت قصة الإسراء وكثير من قصص الأنبياء، ويشير القرآن في أكثر من موضع إلى أن إبراهيم أبو العرب، ومنبع الإسلام، ومصدر شعائر الحج، ولكن في هذا العهد لم يجادل القرآن اليهود ولا النصارى إلا قليلا لقلة اليهود الذين كانوا بمكة ومسالمة النصارى.

يوم الإسلام · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٢