خلاصةٌ في الموجهات المستفادة من مقاصد الشارع في الوقف وشروطه
نستنتج من العرض السابق لآراء الفقهاء في شروط الوقف الموجهات المستفادة التالية:
1. أنّ مسائل الوقف اجتهادية تتصف بالمرونة، وتتأثر بالظروف والأعراف الاجتماعية، فقد توسع فقهاء الحنفية في وقف المنقولات عملاً بالعرف.
2. أنّ المقصد الرئيسي هو تحقيق قدر من التكافل الاجتماعي في المناحي المتعددة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وغيرها، ولمّا كان التكافل مبدأً كلياً في الشريعة، فقد حثّت الشريعة الإسلامية على تحقيقه بوسائل متنوعة منها الإلزامي ومنها الاختياري، ومنها ما يحقق أغراضاً فردية أو أسرية، ومنها ما يحقق أغراضاً اجتماعية، ولاشك أنّ الوقف يسهم بشكل فاعل في تحقيق قدر من التكافل والبناء الاجتماعي قد لاتفي الوسائل الإلزامية بتحقيقه، وقد رتب الشارع الحكيم على هذا العمل أعظم الجزاء، وجعله طريقاً لتحقيق معان سامية تترقى بمفهوم الإنسانية إلى مرتبة التكريم الذي أرادها الله تعالى في قوله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (1).
ولهذه المعاني أجاز جمهور الفقهاء وقف الأموال سواء كانت عقاراً أو منقولاً، وتوسع الحنفية في المنقولات حتى يمكن القول بجواز وقف المنقول عندهم، وأجاز الجمهور وقف المشاع ما يقسم وما لا يقسم، كما أجاز كثير من الفقهاء وقف المنافع، وتقاس عليها الحقوق المالية.
3. نلحظ من خلال تتبع الأحكام الخاصة بالتبرعات اختلافاً عن الأحكام الخاصة بالمعاوضات والمشاركات، وعلى سبيل المثال: يغتفر الغرر في التبرعات وإن لم يكن يسيراً، ولا يغتفر في المعاوضات والمشاركات إلا ما لايمكن الاحتراز عنه وهو اليسير، وما ذلك إلا تشجيعاً وتوسعةً من الشارع للمشاركة في أعمال البرّ على قدر الوسع والطاقة.
لهذا أن نقول في المسائل المستجدة وهي موضوع البحث في ضوء هذه الموجهات والمقاصد الكلية التي تغياها الشارع الحكيم، وأرى أنّ فيما أسلفت من بيان لآراء الفقهاء في شروط الوقف ما يحقق هذا المعنى، فمع قول الجمهور بتأبيد الوقف إلا أنهم أجازوا وقف المنقول، وتوسعوا فيه على مدى العصور، وأجازوا استبدال الوقف وصولاً لتحقيق معنى التأبيد وفق ضوابط محددة، حتى تبقى الغاية من الوقف، والتي قصد منها التكافل الاجتماعي لا بين أبناء العصر، وإنما بين أبناء العصور المتعاقبة.
4. إنّ المقصود من الوقف تحقيق حاجات الأفراد والمجتمعات وفق أدوات وآليات الاستثمار المتوافرة في تلك العصور، فإذا تمّ تطوير هذه الأدوات وتنوعت آليات الاستثمار، وأصبحت عصب الاقتصاد في الدول، وهي أكثر أموال الناس إذا قورنت بالأراضي والعقارات، فلا ينبغي أن يمنع المالكون لهذه الأدوات من الإسهام في أعمال الخير، فالأسهم والصكوك في المؤسسات الانتاجية (الزراعية والصناعية والتجارية والتعليمية) هي الغالبة في زماننا، وأصبحت الأسواق المالية تشكل عصب الاقتصاد للدول، وتدرّ دخلاً كبيراً على أصحابها، وإذا كان من أمرٍ يُخشى منه عند وقفها من الضياع أو التلف، فإنّ القوانين والأنظمة كفيلة بتسديد الأمر وتصويبه،
(1) سورة الإسراء: آية 70.