تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم

إذاً فهذه الآية الكريمة تُعد عنواناً جامعاً لهذه الشريعة العظيمة، فكلما كان المرء أكثر أخذاً بها وتمسكاً بأحكامها وفهماً لمضمونها وسيراً على طريقها كان حظه من الرحمة في نفسه وأهله ومجتمعه وعالمه كبيراً وفيراً، وما نَقَصه من ذلك أدى إلى نقصِ حظِّه من الرحمة بحسبه، ومِن هنا قامت قاعدة الإسلام على الاستسلام والاتباع مع تيقن المسلم المستسلم أن الخير كل الخير في تمسكه بدين الله تعالى واتّباعه لحكمه حتى ولو لم تظهر له الحِكمة، فلا يعترض عليه بِلمَ ولا كيف؟: ﴿يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء/ 23]، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر/ 7] ولا يرده بدعوى مناقضة عقلٍ ولا منازعة إلفٍ أو عرفٍ ولا مخالفة عصرٍ ولا معارضة سياسةٍ، ولا تكدير ذوق؛ لأنه قد استقر في أعماق قلبه أن ما يسير عليه ويهتدي به إنما هو حُكم أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، الذي حكَمَ فأحكم وشرع فرحم سبحانه، ويكفي هذا لأن يكون المرء مستسلماً مطمئناً راضياً مستيقناً بحسن العاقبة له في الدنيا والآخرة، أمَّا التوقّف عن الانقياد للحكم أو التلكؤ والتردد في ذلك حتى يظهر له ما يظنه خيراً ويعاينه واضحاً جلياً في سائر الأحكام أو التربص حتى تعرض تلك الأحكام لما يظنه عقله الواهم من كونه ميزاناً مقوِّماً فإن هذا مسلك رديٌّ مُردٍ، فأين علم المخلوق المحدود القاصر من عِلم الخالق الذي وسع كل شيء، فمن المعلوم قطعاً أن هذه (الضوابط) التي يريد بها بعض المتهوكين أن يجعلوها حاكمة على الشريعة غير منضبطة ولا هي قائمة على أساس ركين ثابت سواء كانت عقلية أو عرفية أو سياسية أو حضارية أو زمنية أو مكانية أو غير ذلك، فالتفاوت بين العقول ذكاء وغباءً كما بين السماء والأرض، فبأي العقول تقوَّم الشريعة وتُحكَم أحكامها، وأعراف الناس وعاداتهم وما تواطأوا عليها واستحسنوه وألفوه منها لا يجادل مجادلٌ في اختلافها وتنوعها وتقاربها وتباعدها وتوافقها وتضادها فأي الأعراف أحق بالاتباع لتكون هي القيِّمة على الشرع، وقل مثل ذلك فيما يسمى بالحضارة وتطور الأعصار، فإذا جعل شيء من

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمينص ٩