تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك هو الميزان الذي يرد إليه الشرع قبل قبوله والاستسلام إليه لصار دين الله شتاتاً تبعاً للأهواء المتنازعة، والعقولة المتعارضة، والحضارات المتصارعة، والعادات المتدافعة، ولأصبح بذلك كغيره من الأفكار المتولدة من طول المراس والتجارب، أو المتفتقة عن توقد الأذهان وحذاقة الآراء، أو الناشئة تبعاً لتطور العصور ومثل ذلك لا يلبث أن يولد ثم يموت إن لم يولد ميتاً أصلاً، وبهذا ترجع البشرية إلى نقطة الصفر وهي البحث عن الرحمة المفقودة فتفنى الأجيال وتتبدل الدول وجحيم الأهواء هو الحاكم القائم وضنك العيش هو المتمكن.

بل كثيراً ما يظهر للمرء أولَ الأمر أن ما سيقوم به لا خيرَ فيه أصلاً أو أن ضره أكبر من نفعه والعكس كذلك، فلو عُطِّلت الأحكام لمجرد ذلك وتوقف الأخذ بها على استيعاب العقل لها استيعاباً تاماً ومعرفة تفاصيل مداخلها ومخارجها، وإدراك دقائق حِكَمها، والاطلاع على تمام مآلاتها لأدى هذا قطعاً إلى تعطيل الشرع وإبطال أحكامه، ولا يعني ذلك أنه ليس للمرء أن يعمل عقله باحثاً عن أسرار الشرع ومنقباً عن حِكَمه التي يزداد بها إيماناً، فهذا مجالٌ عظيمٌ يتسابق فيه المتسابقون المستسلمون للشرع المستيقنون بأحكامه وحِكَمه لا المعترضون عليه أو المتوقفون عن أخذ أحكامه إلا بعد الاعتراض عليها بعرضها على ما يشاؤون من الأوهام.

روى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال سألت علياً رضي الله عنه هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطى رجل في كتابه ... الحديث، فالعالم المستنبط للأحكام الذي آتاه الله فهماً لكتابه لا يتخذ عقله وفهمه ذريعةً لرد النصوص أو التوقف عن الأخذ بها أو إقامة العراقيل المتنوعة التي تصد عنها وإنما يقوم بمهمة الاستنباط المؤسس على الفهم بناءً على أن هذا الكتاب العظيم هو كلام الله ووحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمينص ١٠