تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما سمع شداد بما جرى، وما اتصل به نبأ العواقب الوخيمة تبلغ أعناق أنصاره من الخونة في رجال الدولة وأركانها، حتى استشاط غضبا، فقرر اقتحام المملكة بهجومه الصاعق.

إنه قد سبق، وهيأ شداد جنده لهذا الهجوم بالاتفاق مع الخونة المارقين والسحرة المشعوذين من رجال الدولة وقادة الشعب، فهل يضيع الفرصة والدولة هناك - على ما كان يعلم - منهوكة القوى بفعل الترف، والشعب في تلك المملكة متفككة أوصاله بفعل إفساد من أغرى من الخونة المارقين، يخلصون لمن يستأجرهم ويغريهم من أعداء البلاد الطامعين في مرافقها وثرواتها، ويحسنون خداع شعوبهم في خدمته؟ إنه النصر الأكيد ما دامت الأمة في تخاذل وانقسام، وما دام الشعب مع حكومته على خلاف، وأولئك الأنصار والأصدقاء ممن خانوا بلادهم في سبيل تحقيق مطامعي في أطماعهم، ألم يرحني منهم ملكهم الملقب بالعادل، فلم أعد مطالبا بوفاء في إبان النصر، عندما تستحق وعودي لهم الاستيفاء؟ وهل كنت حقا مصمما على الوفاء إلا بمقدار ما تقتضيه مصلحتي من تجدد الخدمات، أو يتعذر علي - وأنا المنتصر - أن أجد في غيرهم أطماعا تغريهم بالخيانة وبأبخس الأجور والأثمان، ما دامت الأمة في حكومتها وفي شعبها لا ترى في غير المال والزهو والترف أي معنى للوجود أو أية قيمة للحياة؟

وفي خضم تموجات هذه الخواطر السوانح البوارح، أصدر شداد أمره بالهجوم غادرا ليفاجئ الخصم، فيربح المعركة على أهون سبيل وبسرعة برق الصاعقة، ولكن ساء فأله وخاب أمله، وكان برق صاعقته خلبا، إنها روح الثورة تأتي في مقاومتها بالأعاجيب وتفعل المعجزات، فتتفجر بها ذرات الضعف قوة، إذ يتحول الانقسام تماسكا والتخاذل تناصرا، والتعدد في التفرق والاختلاف وحدة في التجمع والاتفاق.

انتصر الملك العادل، وانهزمت جيوش شداد، وطابت لملك عرف كيف ينسجم مع شعبه الحياة، فلانت للشعب، يعرف كيف يعيد إلى مليكه صوابه، واستحالت رغدا وعزة ومجدا وسعادة، فاطمأنت النفوس وسكنت الأعصاب، واعترف الجميع بأن الفضل للشباب في وثبات الثورة في نفسه وفي استقرار المقاومة فيها، يعبر عنها باستمرار خفقان القلوب ودوران الدماء، نعم، الدماء.

يؤكد الراوي: إنه مضت على هذه المملكة بعد نجاح الثورة سنوات عزة وإقبال، ورغد ورخاء، ولكنها سنوات لم تتجاوز عدد أصابع الكف، إذ ما لبث الملك أن استعاد بتأثير طفيليات نبتت من جديد في أوساط رجال الدولة جميع ميول السخف بالارتياح إلى تملق الناس وإلى البذخ والترف، وكأن الشيخوخة وقد بدأت تراوده وإن باكرا، قد أضعفت ما في صميم ذاته من مقاومة، فخمدت شعلة الثورة، وأصبح كارها لها، يخيفه أن يذكر اسمها، أو أن يسمع بأنها لا تزال يذكرها الناس في أحاديثهم ولو في الخلوات.

يا ويل الأمة من أذكيائها إذا ما أصبحوا وصوليين انتهازيين، ففي قدرة هؤلاء أن يفسدوا الأولياء والقديسين، وأن ينحرفوا بالأتقياء المصلحين، إذا لم يتدارك الشعب أمره بوعي صادق، تبعثه وثبات المقاومة، تدخلها روح الثورة، تتأجج نارها في النفوس، وهذا ما وقع، فإن الشعب وقد احتفظ بفاعلية المقاومة تحميها شعلة الثورة في النفوس، لم يحتمل طويلا، ولكنه وقد مل دلع الملوك المتألهين وسيطرتهم جبارين متغطرسين، لا يرضيهم إلا البذخ والإسراف والمراسم السخيفة، في إشباع حب الظهور والمباهاة بما يشبه التمثيل والتهريج، حفظا لهيبة الملك والدولة على ما يدعون، وإنما هو في الحقيقة شعوذة تتخذ وسيلة للتخدير والتنويم، استعبادا للناس وقد خلقوا أحرارا، إنه الشعب تلتهب في نفسه روح الثورة، تفجر ذرات المقاومة، فلا يعقل - وهو في تقدميته - أن يصطبغ بصبغة شعوب الانهزام والتأخر والانهيار، فما لبث أن ثار ناقما على الملك بل على النظام الملكي نفسه، فخلعه وطرده من البلاد وطرد أسرته وقلب الحكم جمهوريا، يصدر عن إرادة الشعب في خدمة الشعب، ويظل تحت سيطرة شعب أراده حكما ديمقراطيا صادقا، لا يظلم في ظله الفرد ولا يستغل المجتمع، إن الشعب قد أراد بالجمهورية الديمقراطية حكما تمثل سيادته سيادة كل فرد من أفراده، فلا يجد الحاكم فيه حقا في كبرياء سيادة يؤجر عليها من أسياده الناخبين، فيكيف أنت بالأجير يتكبر على أسياده ويبذخ بمالهم ولا يخجل. ويقول الراوي: إن تلك المملكة سعدت بجمهوريتها، إذ صدقها من انتخبت من الحكام وأخلصوا لشعبها. وإلى هنا انتهت جدتي في سرد الحكاية مرددة إحدى العبارات المألوفة في نهاية كل حكاية يشتد فيها الصراع: «وظلوا في سعادتهم إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات.» ومن يدري؟

هذا التاج · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٥١